#dfp #adsense

“الجمهورية”: رسائل مشفرة من ساحات سوريا إلى لبنان

حجم الخط

كتب جورج شاهين في صحيفة "الجمهورية":

تعترف أوساط سياسية بجهد كبير يبذل على اعلى المستويات للفصل بين ما هو امني وسياسي، وما هو متوقع من أحداث امنية على الأرض نتيجة الاتهامات السورية التي استهدفت اطرافا لبنانية والتظاهرات المؤيدة للثورة في سوريا ودعاة دعم النظام فيها من جهة، وما هو سياسي يتصل بملء الفراغ الحكومي في البلاد بعد مرور 84 يوما على تكليف الرئيس نجيب ميقاتي تشكيل الحكومة الجديدة في لبنان من جهة أخرى. وفي الوقت الذي انهمكت الأجهزة الأمنية من جيش وقوى امن داخلي ومن خلفهما أجهزة الاستخبارات وفرع المعلومات بتطويق الساحة الأمنية استباقا لأية مواجهة بين مؤيدي الطرفين، توسعت دائرة القلق من استدراج الساحات المذهبية الى مواجهات محتملة في طرابلس والبقاع وبيروت ومناطق أخرى من لبنان مهيأة لمثل هذه الأحداث بفعل تركيبتها الحزبية والطائفية والمذهبية.

وعلى هذه الخلفيات، باتت تقرأ الاتصالات التي خصص لها رئيس الجمهورية جانبا مهما بعيدا من الأضواء على كل المستويات القضائية والسياسية والأمنية والإعلامية، بغية تهدئة الأجواء وتأكيد الحرص على ان اي خطوة خارج ما ينظم العلاقة بين البلدين من اتفاقيات قضائية وامنية وخلافهما لن تؤدي الى النتيجة المرجوة منها، وهي تزيد الوضع إرباكا وقد تؤدي الى مكان لا يريده أحد من اللبنانيين. وهذا ما فعله بالفعل مع الأمين العام للمجلس الأعلى اللبناني – السوري نصري خوري، عندما طلب اليه لفت نظر المسؤولين القضائيين في سوريا عبر مرجعيتهم الى أهمية اللجوء الى الإجراءات القانونية والقضائية في ملف الاتهامات السورية التي تقرّ بها الاتفاقات المشتركة ليكون الملف بأيدي المعنيين، فلا يبقى على المنابر السياسية والإعلامية فحسب، مخافة ان يتحول الى سلعة امنية وسياسية في الداخل اللبناني.

وفي الإطار عينه، وضعت المراجع المختصة سلسلة الاجتماعات التي بدأها قائد الجيش العماد جان قهوجي مع كبار الضباط وقادة الألوية والوحدات والأفواج، لمواكبة المستجدات الداخلية والاقليمية، ولا سيما منها الوضع في سوريا وما يمكن ان ينعكس على الساحة اللبنانية الداخلية نتيجة التحركات في مناطق محددة تشهد ما يعكس مواقف بعض الأطراف مما يجري في سوريا، مؤكدا ان اللعب بالأمن خط أحمر، ولا يمكن التهاون مع مَن يحاول تجاوزه او تجاهله. لافتا الى ان أمن لبنان هو من أمن سوريا والعكس صحيح، وبالتالي فإن الحفاظ على الاستقرار هو من مصلحة البلدين.

لذلك، ونظرا الى حجم الترابط القائم بين الملفين الأمني والحكومي، ليس من السهل القول ان كل ما أعاق تشكيل الحكومة اللبنانية العتيدة كان داخليا وعائدا الى مواقف اطراف الصراع ومطالب هذا القطب وشروط ذاك، بقدر ما باتت مزيجا مما يجري في الداخلين اللبناني والسوري. وزد عليها – يقول العارفون – فإن الظروف الإقليمية والدولية لعبت لعبتها مع بدايات التكليف نتيجة "النقزة الدولية" التي ولدها "الانقلاب السياسي" على رغم إلباسه اللبوس الديمقراطي والدستوري الذي جاء بالرئيس ميقاتي مصحوبا بالتهديد بما يمسّ المحكمة الخاصة بلبنان والقرارات الدولية، إلى ان اسـتأثرت أحداث سوريا بالقسط الأكبر منها وخصوصا عندما فاجأت الجميع بانطلاقتها بقوة منذ اللحظة الأولى لاندلاعها في مدن ومناطق حساسة من سوريا ينظر اليها بأبعادها الجغرافية والطائفية المترابطة بين البلدين. وبات النظام في سوريا يطلب الدعم اللبناني الرسمي والحزبي بعد الإعلامي سواء بطريقة مباشرة عبر الهجوم الإعلامي على تيار المستقبل ودعوة القضاء اللبناني الى التحرك من دون ملف قضائي سوري، او عبر أصدقائه في لبنان وصولا الى الرسائل الإعلامية التي استخدمت في هذه الحملة.

الى ذلك يعتقد كثيرون في لبنان ان ردود الفعل السلبية لم تقتصر على التعثر في تشكيل الحكومة الجديدة فقط، بل إن الحملات الإعلامية التي قادت اليها الاتهامات السورية بدأت تنتج اجواء من التوتر على اكثر من مستوى نيابي وسياسي ودبلوماسي، بلغت ذروتها في النقاش الحامي بين نواب تيار المستقبل وكتلتي التنمية والتحرير والوفاء للمقاومة، وصولا الى وزارة الخارجية، في وقت بدأت تطل سلبياتها بقرنها في الشارع جرّاء التظاهرات المتقابلة التي دعت اليها أحزاب تساند الثورة السورية وأخرى تساند النظام والتي شهد محيط السفارة السورية ومناطق مختلفة من لبنان نموذجا لها، ويتوقع ان تكون طرابلس غدا الجمعة مسرحا لها، على رغم الرفض الرسمي بالترخيص للتظاهرتين اللتين اختارتا المسلك نفسه من جامع المنصوري الكبير الى شوارع طرابلس الداخلية.

يعترف كثيرون ممّن يفهمون العقل السوري على حقيقته بأن القيادة السورية تراهن دائما على الساحة اللبنانية على انها المكمّلة للساحة السورية في كل ما يحتاجه النظام من ادوات الحكم في لبنان، وصولا الى الوسائل الإعلامية التي اعلن بعضها حالا من الاستنفار سبقت ما قامت به وسائل الإعلام السورية نظرا الى اعتبار معظمها أكثر صدقية وانتشارا في العالمين العربي والغربي، وبات وزير الإعلام السوري او من ينوب عنه من اللبنانيين قادة ومسؤولين يراجعون في هذا الخبر او ذاك، وينصحون بحجب هذه التغطية او تلك. ومورست ضغوط على بعضها لهذه الغاية.

ومن منطلق فهمهم للعقل السوري وطريقة إدارة أزماته وملفاته، يتفهم اللبنانيون العتب السوري الذي انسحب على القيادات السياسية في لبنان رسميين وحزبيين، ومن خلاله برز العتب المبطّن على الحزب التقدمي الإشتراكي عموما لغيابه عن اللقاء التضامني الذي نظمته الأحزاب اللبنانية قبل يومين تضامنا مع النظام في سوريا، كما بالنسبة الى الدروز اللبنانيين عموما على خلفية مشاركة دروز الجولان في السويداء ودرعا وحوران الى جانب الثورة السورية على النظام. وهو امر بلغ مسامع المسؤولين في الحزب الإشتراكي والقيادات من الأحزاب الأخرى التي تحركت في أكثر من اتجاه وما زالت، على رغم إقفال الباب.

"الجولاني – الحوراني" امام بعضهم، ما يحول دون مبادرة كان بعضهم ينوي القيام بها الى تلك المناطق التي ألبست قادة لبنانيين العباءات المطرَّزة عند تحولها الى جانب "سوريا الأسد".

وقال المعنيون بالملف إن للحزب التقدمي الإشتراكي إزاء أحداث العالم العربي منطقا خاصا يتفرد به ويميزه عن باقي الأحزاب اللبنانية وينسحب على الوضع السوري تحديدا، وهو أمر ترجم غيابا تقنيا عن لقاء الكومودور، وهو يتطلع الى الأزمة ليس من باب حماية النظام او غيره، بقدر ما يتطلع إلى ان الأمر يتصل بالحديث عن الشعب السوري واولويات الاستقرار في بلد عربي شقيق وخصوصا عندما يتصل الأمر بسوريا. وتقول هذه القراءة إن الموقف من احداث سوريا ينبع من حرص الحزب على ان وحدة اراضي سوريا وحمايتها من اي عدوان خارجي مهمة توفر الحماية لأبنائها ولبنان، ذلك ان ما تتعرض له سوريا من أذى لن يبقى لبنان بمنأى عنه، وان الأيام اثبتت وستثبت هذه المرة ان امنها من امن لبنان والعكس صحيح، وان ما يصيب سوريا يصيب لبنان.

ومن هنا قال المصدر المعني كان الموقف الرافض لأي تواطؤ لبناني مع مظاهر الثورة وحركة "مجموعة العصابات" في سوريا نظرا الى أخطارها، ليس على الداخل السوري بقدر ما سيكون لها من ارتدادات على لبنان وامنه، وكان التحذير ايضا من اية مغامرة في هذا الاتجاه او ذاك.

هذا في الموقف الرسمي للحزب التقدمي الإشتراكي. اما في دوائر المعلومات والمتخصصين بملف العلاقات الدرزية – الدرزية بين لبنان وسوريا فثمة روايات أخرى تتحدث عن مظاهر المشاركة الدرزية السورية في الثورة القائمة في مناطق الوجود الدرزي في جنوب البلاد واطراف الجولان من درعا اولا الى السويداء وحرمون ودوما وغيرها من المناطق التي شهدت ما شهدته من "تمرد درزي" على النظام في سوريا.

وفي المعلومات إن هذه المناطق اقفلت على الوساطات الدرزية التي يمكن أن تتوجه من لبنان بعدما بلغت ما بلغته المشاركة الدرزية في الانتفاضة والأنباء التي تحدثت عن إصابة حفيد سلطان باشا الأطرش في إحدى المواجهات مع الجيش السوري.

وأشارت المعلومات الموثوقة الى ان تحولا كبيرا طرأ على مجرى القيادة الدرزية السورية، إذ تتولى السيدة منتهى سلطان باشا الأطرش تنظيم التظاهرات والإشراف على التحركات الشعبية التي تشهدها درعا وحوران، ولها دور بارز في إدارة نقل المواطنين الدروز من مناطقهم وقراهم الى مواقع التظاهرات، وهو أمر قدم العائلة الدرزية التي ارتبط اسم بطلها سلطان باشا الأطرش بحركة تحرير سوريا من الإنتداب وذكرى الجلاء التي احتفلت به سوريا مطلع الأسبوع الجاري.

وعليه، تختم المصادر لتقول إن لكل هذه المستجدات انعكاساتها على الأوضاع في لبنان من الملفات الأمنية الى الحكومية. مع الاعتراف مسبقا بأن هذا الربط منشار ذو حدين: فإما تتنامى حالة الفوضى وتطيح مشاريع تشكيل الحكومة، او تطيل الأزمة الى أمد غير منظور. وفي الحالتين هناك ما يقارب القناعة بأن هذا الغموض لن يطول، وأن الجواب المنتظر لن يطول، وان الأيام المقبلة، وفي حد أقصاه منتصف الأسبوع المقبل، ستبين من سينتصر: منطق التشكيل على رغم محاذيره في ظل التقلبات الغامضة، أم منطق التعثر الذي يقود البلاد الى المزيد من الاحتمالات السلبية.

المصدر:
صحيفة الجمهورية

خبر عاجل