ليس قدرا حتميا ان يكون للبنان واللبنانيين "قرص في كل عرس"، كما ليس قدرا حتميا ان يكون لبنان معنيا بكل ما يحصل في سوريا اليوم.
فلطالما كنا نطالب النظام السوري ولم نزل بعدم تدخل سوريا في شؤوننا اللبنانية الداخلية – لقناعة ثابتة لدينا بأن استمرار التدخل يطيح بكافة الجهود التي تمت الى الان من اجل ارساء قواعد علاقات من دولة الى دولة بين البلدين مضمونها احترام كل بلد خصوصيات واستقلال وسيادة الاخر. فيبدو ان السوريين ما زالوا ضحايا كوابيسهم في لبنان، وقد اختلطت لديهم اوجه التدخل والتداخل بينهم وبين اللبنانيين حد عجزهم عن تصور امكان ان يحصل امر لهم لا يد للبنانيين فيه. فباتت تصوراتهم هلوسة ورغباتهم جنوحا نحو توريط مفترض للبنانيين في اي امر يخصهم…
وفاتهم ان اللبنانيين لو ارادوا التأمر على النظام في سوريا لوظفوا الكثير من المحطات التاريخية التي فتحت لهم فرص للتأمر… ولكنهم لم يفعلوا لقناعة راسخة لديهم بان افصل العلاقات مع سوريا لا تمر الا عبر اعتراف كل طرف باستقلال وسيادة الاخر.
لكن في المقابل، ان التاريخ لطالما حفل بالامثلة والمحطات التي دلت على امعان النظام السوري في التدخل بكل شاردة وواردة في الشأن اللبناني… وقد كانت سنوات الوصاية السورية على لبنان والنظام الامني الذي انجبته خير دليل حديث على كلامنا…
ولا مرة قام اللبنانيون بالتدخل في الشأن السوري اللبناني ولا سيما منذ العام 1970 وما بعده، فيما بالمقابل كانت دمشق بصورة دائمة تبحث عن سبل التدخل في الوضع اللبناني انطلاقا من فلسفة تدخلية في شؤون "القطر" اللبناني تجد جذورها في عقيدة البعث والوحدة والاشتراكية في ظل رؤية مجزأة لكيانات المنطقة العربية وبخاصة دول ما سمي بـ "الهلال الخصيب"…
ولا مرة حاول اللبنانيون ان يفرضوا انفسهم لاعبين الزاميين اقوياء في المعادلات السورية الداخلية منذ العام 1970 وما يليها في مقابل تدخل سوريا الدائم في الشأن اللبناني الداخلي بصورة مباشرة ومفضوحة منذ 1973 وما يليها…
فهل نذكّر بالدور السوري التدخلي في ملف الوجود الفلسطيني في لبنان، وكيف تقلبت السياسة السورية تارة بدعم نضال الشعب الفلسطيني وطورا بالانقلاب عليهم عندما بات سلطة ابو عمار تتهدد نفوذ دمشق في لبنان…
وهل نذكّر بالدور السوري في لبنان عبر الدخول كقوة ردع عربية ثم تحولها الى قوة احتلال للبنان وغصب للبنانيين فقوة انقسام اللبنانيين … فقوة قهر واضطهاد اللبنانيين على ارضهم وفي وطنهم… وصولا الى"تلزيمه" الدولي للبنان منذ 1990 وفرضه نظاما استبداديا مباشرا على اللبنانيين على ارضهم…
فمن مراجعة هذه المحطات يتبين بوضوح المنحى التدخلي السوري الدائم في الشأن اللبناني – بما ادى الى تشويه مقولة امن سوريا من امن لبنان وبالعكس – لانه وبموجب هذا المبدأ بالذات لو صحى التلازم بين الامنين والمصلحتين – لوجب على النظام السوري ان يتعامل مع اللبنانيين بتفاهم وانفتاح وحوار لا يستثني ولا يلغي احدا من اللبنانيين، لا ان تعمد دمشق الى خلق وتعزيز وتقوية الاصطفافات الفئوية والطائفية والمذهبية داخل المجتمع اللبناني ما ادى ولا يزال الى استمرار سوء التفاهم بين البلدين وسوء التفاهم بين النظام في سوريا وفريق واسع من اللبنانيين على مر التاريخ الحديث منذ المحاولات الوحدوية الفاشلة في المنطقة مع مصر ووصولا الى النظام البعثي الحالي منذ ستينات القرن الماضي.
ولا مرة كان ميزان التدخل في شؤون الاخر الا من نصيب السوريين في حركتهم الدائمة وطمعهم الدائم في حكم لبنان وضمه الى سوريا الكبرى…
ولا مرة كان التدخل في الشأن الداخلي للاخر الا "طابشا" لدى السوريين بتدخلهم في لبنان وقد كانت ولا تزال المحاولات جارية على قدم وساق من اجل تطويع الجيل الحالي من اللبنانيين… والمؤسف حقا ان نرى النظام السوري لم يستوعب تغيرات الزمن والمعادلات المحلية والاقليمية والدولية الجديدة التي كانت ترتسم في افق المنطقة الى ان اضطر للخروج غير المشرف من لبنان عام 2005.
فنتمنى ان لا تختلط اتجاهات التدخل عند السوريين، فهم من تورطوا في لبنان لا العكس لان عدوى النظام السوري بالتدخل في شؤون الاخرين لم ولن تنتقل الى اللبنانيين يوما ولله الحمد – واذا كان كلام التدخل بمثابة اخبار قضائي يقترحه علينا السفير السوري في لبنان. فنحن بدورنا نحيل ملف 40 عاما من التدخلات السورية في لبنان علها تكون بمثابة اخبار لمن يعنيهم الامر في القضاء السوري .
