تشبه فضيحة "مخالفات البناء" العصيان المدني الحقيقي وغير المسبوق في التاريخ الوطني الحديث. لكنه عصيان مرادف لما هو أكبر منه، ويدلّ في النهاية الى سوية منطق الأمور حيث المقدمات تشي بالنهايات!.
السيرة المذكورة طويلة، والحاصل اليوم سبق ان حصل قبلاً، لكنه لم يأخذ ذلك البُعد والمدى والاتساع والخطورة.
منذ ايام الرئيس الراحل كميل شمعون، غضّت الدولة والسلطات المعنية الطرف جزئياًَ عن مخالفات بناء ومصادرة املاك عامة وخاصة في أكثر من منطقة وخصوصاً في الضاحية الجنوبية، حيث كانت أعداد الناس أقل مما هي اليوم، والأرض متوافرة (؟) والفقر ضارب في المناطق النائية.. وبحثاً عن رزق وعمل في ضواحي المدن حصلت الهجرات الداخلية ونمت العشوائيات، ونمت معها ظاهرة التعديات على الأملاك العامة والخاصة سواء بسواء.
قبل ذلك، كانت العملية برمّتها، بدأت مع موجات الهجرة الفلسطينية الأولى في العام 1948 وضرورة إيواء اللاجئين في مخيمات أقيمت عند ضواحي المدن اللبنانية، وعلى أراضٍ أميرية أولاً وأساساً.
وإذ كانت الأرض "تُصادر" لإيواء لاجئين من خارج فلمَ لا "تُصادر" لإيواء مهاجرين من داخل؟ وهكذا صار وسلّمت الدولة والسلطات المعنية بما يحصل وطنّشت.. وذلك الذي كان يحصل كبر وتفشى تبعاً للنمو الديموغرافي الطبيعي والتلقائي!.
المرحلة الثانية الموازية لتلك كانت بعد اندلاع الحرب في العام 1975، حيث غابت الدولة وأدواتها وحضرت الفوضى بكل ضروبها، واستُكملت الحملة بطريقة كارثية ووصلت الى مدارج المطار.. حرفياً!
ولكن ما الذي يحصل اليوم؟ وكيف يمكن الأخذ به أو قبوله أو تبريره؟ وكيف يمكن لقوى الأمر الواقع أن تدّعي عجزها عن ضبط الفلتان الخطير الحاصل في مناطقها، أو عجزها عن فلش بساط الحماية فوق القوى الأمنية الشرعية في سعيها الى أداء مهماتها؟! في حين ان تلك القوى نفسها قادرة ساعة تشاء على "منع" بيع خمور في بعض مناطق وجودها.. بل هي قادرة على كل شيء تريده؟
ما يحصل أكبر من فلتان عادي، وأشمل من قصة خروق موضعية. إنه "قرار" كبير يستبطن ما هو أبعد من قصة التعدي على الأملاك العامة والخاصة.. وكأن أصحاب ذلك "المشروع" يقولون لسائر اللبنانيين: لكم ما لكم ولنا ما لنا! وما تبقّى بعد ذلك إلا إعلان الاستقلال؟!!