تجتهد مواقع ومؤسسات كثيرة في طرح سؤال استفتائي عن «الثورة» في سورية، وعلى أي مثال ستكون، هل ستشبه النموذجين التونسي والمصري؟ أم النموذج اليمني؟ أم النموذج الليبي؟ ويستعرض المحللون السيناريوات المحتملة واعدادها، ويظلّ السؤال الجوهري أي نظام وطبيعة شعب تشبه سورية بين هذه الأربعة؟
لا يختلف النظام السوري في طبيعته عن النظام المصري ولا عن التونسي حتى، وإن كان الثاني اجتهد في تقديم صورة القشرة الديموقراطية من خارج بفعل الانفتاح والاقتصاد الحر والسياحة وتشجيع الاستثمار، فيما النظام السوري حافظ على انغلاقه وتقوقعه وخوفه من أي انفتاح لأنّه يعتبر الانفتاح تهديداً لأمنه واستمراره… والقواسم المشتركة بين الأنظمة الثلاثة المصري والسوري والتونسي لا تختلف من حيث القبضة الحديدية الأمنية ومعتقلي الرأي والسياسة والمفقودين والبطالة ورداءة الحال الاقتصادية ووعود الإصلاح التي استمرت عقوداً حتى باتت شعوب هذه الدول تعتبر كل حديث عن مشاريع الإصلاح «خدعة كبيرة»!!
وشعوب الثورات الخمس أدركت أنّ خطوة الخروج إلى الشارع لا عودة فيها، فالجميع كان يتوقع مصيراً رديئاً أهون ما فيه الموت فإن تراجع سيتم إلقاء القبض على الجميع وسحقهم حتى لا يطمح بعدها أحد إلى أي حراك…
سيظل النظام الليبي الأكثر إجراماً في تعاطيه مع ثورة شعبه، وهذا الإجرام لا فضل لجنون القذافي فيه فهو مجرم منذ عقود أربعة، وعلى مدى عقود ثلاثة مارس الإرهاب على وجه الكرة الأرضيّة كلّها ومع هذا تصالح معه من فجّر طائرات تقل مدنيين وقبضوا منه التعويضات الكبيرة، هذا الإمعان في الإجرام سببه ببساطه أن ليبيا دولة نفطيّة يُدرك القذافي أهمية نفطها بالنسبة للدول الغربيّة، التي تدخلت لحماية الشعب الليبي فيما هي عملياً تتركه يموت وتفسح المجال للقذافي لتحويل مصراتة وسواها إلى ستالينغراد، وهكذا تحصد الربح مرتين في وضع اليد على النفط وضمان إعادة إعمار ما ترك القذافي يهدّمه!!
وتشبه تعددية الشعب المصري الشعب السوري، الدينية والاجتماعية سواء في الانفتاح أو التشدد، ومن غير المرجّح أن يدخل الشعب السوري حرباً طائفية استخدمت في مصر كفزّاعة من قبل النظام، ويعاد تكرار سيناريو التخويف في سورية، حتى فزّاعة المتطرفين دينياً استخدمهم النظام المصري والبلطجيّة، نحن أمام السيناريو نفسه، ولا نظنّ هذا النوع من السيناريوات قابل للنجاح، وكفى بالنموذج المصري دليلاً.
أمّا في الأسباب الأخرى، فمصر وسورية ليستا دولتين نفطيتين ولا قواعد للقاعدة فيهما كاليمن، وهذا الأمر يفسّر البرودة الدولية تجاه أحداث سورية، أما الضغط الأميركي فله مبرراته على مستوى معاهدة السلام والتحالف بين الدولتين.
مراقبة الأيام المقبلة في سورية ستتيح توضيح الصورة وسنعرف أي نموذج هو النموذج السوري وما ستؤول إليه الأمور، يبقى أن هناك أمر واحد يسبب قلقاً حقيقياً، عن هذه الدولة العربية التي تدخل مرحلة حكومات موقتة، ومرحلة انتظار لوضع دساتير جديدة، أي منطقة هذه التي تتعدّل خرائطها ودساتيرها كلّ نصف قرن بما يتواءم مع مصلحة إسرائيل، وأيّ أنظمة هذه التي تترك المنطقة حبيسة المصلحة الإسرائيليّة فيكون بقاء النظام و»الحاكم» أهمّ من الوطن وحدوده ومصيره وشعبه، أليس هؤلاء هم الذين يقدّمون الخدمات الجليلة للعدو بخنقهم الشعوب العربية وسحقها تحت وطأة القمع والقتل والمعتقلات؟!