كتبت ريتا صفير في صحيفة "النهار":
رغم العوامل الداخلية التي كانت وراء المبادرة الى انعقاد اللقاء الرباعي المسيحي في بكركي، ولاسيما لجهة طي صفحة الخلافات المزمنة، لا تخفى على المتابعين الأبعاد الاقليمية للخطوة.
ابعاد تتحكم في جانب منها التقلبات في المنطقة العربية وانعكاساتها المحتملة على المجموعات الطائفية فيها، وضمنها المسيحيون، ولاسيما في البلدان التي تشهد تغييرات في انظمتها او التي هي في طريقها الى ذلك.
وفيما شكل ملف مسيحيي الشرق إحدى اولويات الدول الغربية ولا سيما الاوروبية منها في الاشهر الاخيرة، في ظل التفجيرات المتنقلة التي طالتهم بدءا من العراق مرورا بمصر وصولا الى لبنان، فإن المسألة نفسها تعود الى دائرة النقاش اليوم من زاوية حركة الاحتجاجات التي تشهدها بعض الانظمة والآثار المحتملة لهذه الحركة على وضع المسيحيين، في مناخ يكاد يبلغ فيه الاستقطاب المذهبي في المنطقة اوجه.
وبالتزامن مع الكلام عن "تعبيد" فاتيكاني لخطوة اللقاء الرباعي والذي حظي ببركة الكرسي الرسولي، لوحظ ان اجتماع القادة المسيحيين اندرج "تقنيا" بين محطتين: الاولى عودة الراعي من زيارة تثبيته بطريركاً لانطاكية وسائر المشرق في الفاتيكان وقد تخللتها لقاءات مع مسؤولين في عاصمة الكثلكة على رأسهم البابا بينيكديتوس الـ16، والثانية مرتقبة لروما في الاسابيع المقبلة، حيث يتوقع ان يلتقي البطريرك الجديد مسؤولين ايطاليين.
وبحسب متابعين للملف، فان زيارة الراعي الاخيرة للفاتيكان كان يفترض ان يتخللها لقاء مع مسؤولين ايطاليين ضمنهم وزير الخارجية الايطالي فرانكو فراتيني الا ان تداخل جدول المواعيد – وقد فرضته متابعة المسؤولين الايطاليين للتطورات في الدول العربية ولاسيما ليبيا وتونس ومصر- ادى الى ارجاء اللقاء. من هنا، يتوقع ان تكون للراعي اجتماعات مقبلة مع شخصيات ايطالية رفيعة في زيارته المقبلة لروما والتي يرجح ان تكون مطلع الشهر المقبل.
ويبدو جليا ان تحضيرات الدولة الاوروبية والمتعلقة بالاجتماع الدولي الذي يعقد في روما عن ليبيا، لا تثني المسؤولين عن متابعة الاوضاع في لبنان عن كثب، ولاسيما ان الديبلوماسية الايطالية معروفة باهتمامها التاريخي بشؤون مسيحيي الشرق عموما ولبنان تحديدا. وهو اهتمام عكسته دعوات الدولة الاوروبية المتواصلة الى اتخاذ اجراءات فاعلة من اجل الدفاع عنهم وتفادي سقوط ضحايا جديدة في صفوفهم، الى تحركها ضمن الاتحاد الاوروبي على هذا المستوى.
ومعلوم ان الراعي كان تلقى بعيد انتخابه، رسالة تهنئة من رئيس الديبلوماسية الايطالية حملها إليه السفير جيوسيبي مورابيتو. وجدد فيها فراتيني التشديد على الدور الايطالي في لبنان والذي يبقى قويا انطلاقا من مجموعة معطيات تعبر عنها مشاركة روما في القوة الدولية لحفظ السلام في لبنان، وصولا الى برامج التعاون للانماء، فضلا عن "التزامها بقوة أسس السبل الدولية، كالاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة للحفاظ على لبنان السلام والانفتاح". ولم يغب عن رسالة الدعم هذه، الاقرار بمهمة الراعي التي تأتي "في ظروف غير سهلة على لبنان وعلى مسيحيي الشرق عموما"، وإشارته الى العمل الذي ادته الكنيسة المارونية "لاستقلال بلد الأرز وسلامه وسيادته".
في اي حال، تتناقل الاوساط المتابعة سلسلة محطات تؤكد العلاقة الوطيدة التاريخية التي تجمع الراعي بالمسؤولين الايطاليين، وتعود الى فترة عمل البطريرك سابقا في روما، ودعمها اتقانه اللغة الايطالية بطلاقة، الامر الذي عزز روابطه وصداقاته مع المسؤولين هناك. وكان الراعي التقى، على هامش تثبيته في الفاتيكان، نائب رئيس مجلس الوزراء الايطالي جياني ليتتا، وهو احد رجال الدولة ذوي النفوذ، على وصف المتابعين. كما ان ليتتا الصحافي السابق، كان ترأس قسم الاتصالات في امبراطورية رئيس الوزراء الايطالي سيلفيو برلسكوني الاعلامية، ويحظى ايضا بتأييد المعارضة واحترامها.
خفض إيطالي
الى ذلك، عادت الى الواجهة مسألة مشاركة ايطاليا في القوة الدولية جنوبا، في ظل المعلومات التي نشرها الاعلام الايطالي ولاسيما صحيفتا "كوريير دي لا سيررا" و"لا ريبلوبيكا" عن توجه الحكومة الايطالية الى مراجعة المهمات التي يؤديها الجنود في الخارج، وخصوصا في لبنان وكوسوفو. واذا كانت التحديات التي باتت تواجهها الحكومة الايطالية نتيجة التحولات شمال افريقيا ولاسيما على مستوى الهجرة، اعادت احياء النقاش والمطالبات في هذا الشأن، فإن حصيلة المداولات خلصت الى تبني توجه خفض الحضور العسكري في لبنان في الفترة المقبلة. والموقف هذا اعلنه وزير الدفاع الايطالي ايغناسيو لا روسا في تصريح نشرته وكالة "انسا" الايطالية قبل ايام. الا ان تبني قرار الخفض يقابله تأكيد لعدم تراجع الاهتمام الايطالي بلبنان، على ما تبلغ المسؤولون، فتشديد على مواصلة التزام الدولة الاوروبية مهمة حفظ السلام والاستقرار الدوليين. وهم يذكّرون في هذا المجال بعمق الروابط اللبنانية – الايطالية التي تدلل عليها مشاريع التعاون على اكثر من مستوى.