كتبت هدى شديد في صحيفة "النهار": قد يكون تأليف الحكومة أكثر من أي وقت مضى لبنانياً مئة في المئة، ولذلك تحضر المطالب والتمنيات الخارجية، متداخلة مع الشروط المتضاربة للأطراف المعنيين في الداخل، ولكن من دون وجود مايسترو يكون قادراً على إخراج المعزوفة الحكومية المناسبة.
ووفق معلومات خاصة بـ"النهار" أن الجانب السوري، أبلغ المعنيين بالأمر في لبنان، أنه يشجّع على الإسراع في تأليف الحكومة، وأن له مصلحة في ذلك، من اجل تحمّل المسؤولية في منع أي تمدّد أمني قد يصيب "الخاصرة السورية الرخوة"، في ظل ما تواجهه سوريا من احتجاجات ومواجهات مع المحتجين في مناطق عدّة.
ولأن أي طرف خارجي لا يتدخّل في التأليف، فقد توصّل الشركاء في الحكومة المقبلة الى التوزيعة الحكومية القائمة على 11 وزيراً للفريق الثلاثي المحايد: الرئاسي – الجنبلاطي، و19 وزيراً للفريق الأكثري الجديد، مع قبول العماد ميشال عون بعشر وزارات ، يكون من ضمنها وزارتا دولة. وبالرغم من ذلك، بقيت وزارة الداخلية، إما قطبة مخفية لقرار بعدم التأليف، وإما عقدة بإدراك الجميع أن "صراع الرؤوس" عليها لا ينتهي الا بعدم انكسار أي منها، وأن المصلحة الوطنية تفرض إعطاءها الى طرف ثالث محايد لن يكون له علاقة مباشرة ولا غير مباشرة بالانتخابات النيابية المقبلة، ولن تكون عليه أي شبهة في القانون المنوي وضعه لهذه الانتخابات. ولذلك، ترى مصادر مواكبة لاتصالات التأليف أن كل ما تحقّق في البناء الحكومي مهدّد بالانهيار، دفعة واحدة.
فبعد قرابة ثلاثة أشهر على التكليف من دون قدرة على التأليف، تتراكم ملفات خطرة على المستويات كافة، فيما المسؤولية ضائعة. والوزير بطرس حرب أحد النائبين الوحيدين الباقيين من نواب الطائف في المجلس الحالي، تحدّث الى "النهار" عن المخرج الدستوري الذي وضعه المشرّع لمواجهة الفراغ في السلطة. وهو في ذلك،حمّل المسؤولية المباشرة الى "من يعرقل التأليف بوضع شروط" تعجيزية على الرئيس المكلّف تأليف الحكومة وعلى رئيس الجمهورية لدفعهما الى موقع الخيار بين التنازل عن الصلاحيات لتلبية الطلبات التعجيزية أو التمسّك بممارسة الصلاحيات وعدم تشكيل الحكومة. في حين يجب ان يبقى لرئيس الحكومة ولرئيس الجمهورية بصورة خاصة حق اختيار كل الوزراء ، لكي تأتي الحكومة فريقاً منسجماً ولا تكون مجموعة أشخاص متنافرين".
ويعدد حرب الملفات الداهمة، بدءاً من التعيينات في مراكز حساسة، مثل حاكمية مصرف لبنان مع قرب انتهاء ولاية الحاكم خلال أقلّ من شهرين، والشغور في مراكز عديدة في الإدارة لا يمكن الا ان تبقى مشلولة بالرغم من الجهود التي يبذلها المديرون بالإنابة عن المديرين الأصيلين الذين احيلوا على التقاعد، مثل مركز المدير العام للأمن العام، وقائد الدرك ومجلس القيادة، ورئيس مجلس القضاء الأعلى، ومجلس إدارة الضمان الإجتماعي الذي انتهت ولايته، ورئيس الجامعة اللبنانية المستمر في مركزه على رغم انتهاء ولايته.
والى القضايا المعيشية والاقتصادية الضاغطة "مثل ضرورة وضع خطة لمواجهة ارتفاع أسعار المحروقات في العالم، وانعكاساتها الدراماتيكية على الواقع المأزوم أصلاً في لبنان"، ينبّه حرب الى "التدابير الامنية والمسؤولية السياسية المفقودة إزاء ما يجري حولنا من احداث خطرة جداً قد تضع المنطقة ،ولبنان جزء أساسي منها، على حافة بركان، ولا سيما أن لبنان ليس جزيرة معزولة عن هذه الأحداث ، وبصورة خاصة بعد بلوغها سوريا وانقسام اللبنانيين حولها بين مؤيّد للنظام الحالي ومؤيّد للمتحركين ضده".
ويضيف حرب: "هذه كلها مؤشرات لتعريض السلم الأهلي للخطر، تستدعي وجود سلطة لا تصرّف الأمور العادية للوزارات، بل تتحمّل المسؤولية السياسية والوطنية لإدارة شؤون البلاد، وإيجاد حلول للأزمات التي تتعرّض لها، وهذا ما لا يمكن أن يتوافر مع حكومة مستقيلة تصرّف الأعمال بمعنى المحافظة على استمرار عمل المرافق العامة والوزارات، بالقدرة على اتخاذ قرارات من دون ان يترتّب عليها التزامات جديدة للدولة او مسؤوليات سياسية، ومن دون إلزام الدولة بنفقات مالية جديدة غير عادية، ومن دون اتخاذ مواقف سياسية او إدارية تخضع لرقابة مجلس النواب، والحكومة لم تعد مسؤولة تجاهه بعد استقالتها ولا يمكن محاسبتها عليها. فهذا هو المفهوم الفقهي والتقليد الدستوري في كل الأنظمة الديمقراطية لنظرية تصريف الأعمال وليس هناك من نصٍّ يحدّد معنى للتصريف (…)".
اما مجلس النواب في هذه الحالة، "فلا شيء يحول دون ممارسته صلاحياته التشريعية بالتصويت على مشاريع واقتراحات قوانين. ولأن صلاحية محاسبة الحكومة تسقط بسبب استقالتها، فصلاحيات المجلس لها حدود، بحيث ان كل قضية تستدعي عند إقرارها موقفاً او موافقة من الحكومة على شيء جديد لا يمكن للمجلس ان يشرّع فيه".
ويختم حرب: "ولأن الضرورات تبيح المحظورات، ولأننا في ظروف أكثر من استثنائية، لا يمكن الحكومة ان تبقى مستقيلة، ونظرية الظروف الطارئة والاستثنائية قد تبرّر أن تجتمع الحكومة المستقيلة لمواجهة أزمة استثنائية خانقة أو لتلبية حاجة لا يمكن تلبيتها الا في اجتماع استثنائي لمجلس الوزراء"، مستشهداً بالمرة الأخيرة التي اجتمعت فيها حكومة مستقيلة، وكان ذلك برئاسة الرئيس رشيد كرامي من اجل إقرار مشروع قانون الموازنة عام 1969.