#dfp #adsense

فضيحة التعدّيات على الأملاك العامة في الجنوب…”اللواء”: هيبة السلاح “تُستثمر” في مخالفات البناء أيضاً!

حجم الخط

كتب فادي شامية في صحيفة "اللواء": وجهٌ آخر، لمشكلة وجود السلاح خارج إطار الدولة؛ يتمثل في استثمار هيبته والمعادلات التي يفرضها، في تغطية التعدي على الأملاك العامة. الأمر ليس جديداً، لكن فصلاً جديداً فيه يُكتب هذه الأيام على أراضي الجنوب، على وجه التحديد، وبشكل لا يمكن أن يكون عفوياً قط. (من الإنصاف القول إن التعدي على الأملاك العامة غير مقتصر على منطقة أو مجموعة لبنانية، لكن الحديث هنا عن المخالفات الجماعية بما يجعلها ظاهرة تجتاح مناطق كاملة، لا سيما مؤخراً).

الإطار القانوني وحجم المشكلة

في لبنان أراضٍ يطلق عليها اسم الأراضي الأميرية (الميرية)، وتعرف أيضاً بالأرض المشاع، وهي موضوعة في تصرف البلديات، إضافة إلى الأراضي ذات الملك العام؛ مثل الواجهات البحرية، ومجاري الأنهار (بعضها جف فأصبح أرضاً صالحة للزراعة أو البناء). هذه الأراضي هي ملك للدولة اللبنانية، أي لكل مواطن في هذه الدولة، على وجه المساواة، وهي في القانون لا تباع ولا تشترى، ولا يمكن التنازل عنها، ولا تُكتسب بمرور الزمن، ما لم يصدر تشريع خلافاً لذلك.

ولأن التوصيف القانوني على هذا النحو؛ فإنه لا يمكن لأي مواطن أو مجموعة مواطنين البناء فوق هذه الأراضي، لأنها ليست ملكهم أولاً، ولأن السلطات المعنية لا يمكنها منحهم ترخيصاً بذلك ثانياً، غير أن الواقع الفعلي ينبئ بخلاف ذلك؛ إذ أقدم كثير من اللبنانيين، وفي فترات مختلفة، على التعدي على الأملاك العامة بوضع اليد، وبلا أي ترخيص، بحجة أنهم مهجرون، وهم في هذه الأراضي إلى اليوم،

وأبنيتهم المخالفة في حالة توسع (منطقة الأوزاعي جنوب بيروت نموذجاً)، كما منحت بلديات عديدة في القرى رخص بناء على أراضٍ مشاع، انطلاقاً من حقها في إعطاء رخص البناء في حالات أخرى على غير أراضي المشاع، بعد مراجعة إدارة "التنظيم المدني" في وزارة الأشغال، وحينما تزايدت هذه الحالات أصدرت وزارة الأشغال في 18/8/2010 كتاباً ذكّرت فيه بضرورة احترام قانون البناء رقم 646/2005، لجهة "مراجعة الدوائر الفنية المختصة"، وقد ووجه الكتاب باستياء مدهش حينها من قبل بعض البلديات، وصل إلى حدود تحريك مجموعات أهلية للتظاهر وحرق الإطارات، في عدد من القرى في لبنان!.

تاريخياً؛ فإن من أوائل المناطق في لبنان التي تعرضت لحملة بناء غير شرعي عليها هي منطقة الأوزاعي (الجزء الأكبر من هذه الأملاك ليست مشاع وإنما أوقاف إسلامية سنية، وبعضها أملاك بحرية، وبعضها الآخر مملوك لمواطنين أيضاً!).

ومن المناطق التي تعرضت لمصير مشابه أثناء الحرب الأهلية؛ منطقة الحرش في بيروت (أوقاف إسلامية سنية ويستعمل جزء من الأراضي اليوم كمقبرة إسلامية)، والرمل العالي التي تقع اليوم ضمن الضاحية الجنوبية لبيروت (بعض العقارات المبنية بشكل غير شرعي اشترتها جهات حزبية نافذة في وقت لاحق وحولتها مراكز وأبنية لها)، ومناطق عديدة في منطقتي بعلبك- الهرمل (مشاعات وأوقاف)، فضلاً عن منطقة وادي أبو جميل (الذي تحول اسمه إلى <وادي الذهب> في التسعينات بسبب استفادة المخالفين من التعويضات التي منحتها الدولة لهم للإخلاء!).

إضافة إلى موجة من التعديات على الأراضي المشاع أعقبت تحرير الجنوب العام 2000، بحجة أن من "روى الأرض بدمه يحق له أن يملكها ويبني عليها مسكناً"، وقد حصل هذا الأمر بدعم حزبي معروف، قُضي بموجبه على المشاعات في عدد من القرى، حيث تم مسح الأراضي وتوزيعها، لا سيما في قضاءي بنت جبيل ومرجعيون.

الموجة الجديدة من التعديات

قبل نحو شهرين من الآن حصلت احتكاكات بين المهجرين من أهالي بلدة يارين الحدودية، والمقيمين في منطقة البيسارية في الجنوب (الزهراني) منذ العام 1977، وبين أهالي المناطق المجاورة وقوى الأمن الداخلي، على خلفية توسعة أبنية غير شرعية، أو إقامة أبنية جديدة، إذ اعتبر الأهالي أنهم مهجرون أيضاً، ويقومون بما يقوم به سواهم من أهالي المناطق المجاورة، فيما يعاملون بالشدة والهدم من قبل قوى الأمن الداخلي، بينما تغطي هيبة السلاح بقية المناطق الخاضعة لنفوذ "أمل-حزب الله",

استدعت المسألة اجتماعات عديدة؛ جرى بعضها بحضور قادة القطعات في قوى الأمن الداخلي، فضلاً عن اجتماع بين النائب بهية الحريري والرئيس نبيه بري. الأخير اعتبر – ضمناً- أن السكوت عن التعديات في البيسارية أسوة بباقي التعديات التي يسطرها مخفر عدلون- تعطي أنصاره الحق بإطلاق العنان لحملة مجنونة من التعديات على الأملاك العامة والبحرية والمشاعات، وهو ما حصل فعلياً، وتحوّل إلى ظاهرة لافتة، ونزاعات أهلية على اقتسام المغانم، أجبرت من شجع على هذه الحملة على التدخل مرات عدة لحل النزاعات. (قال بري لصحيفة السفير في 20/4/2011 "اضطررت إلى استعادة بعض سلوكيات الماضي وطلبت من عناصر حركة أمل النزول بسلاحهم في بعض المناطق لمنع المخالفات"!.

إذاً، "فلت الملق"، ونشطت مئات ورش البناء في التعدي على الملك العام، لا سيما في بلدات: طيردبا، وطير فلسيه، والقليلة، وكوثرية السياد، وتفاحتا، وانصارية، والخرايب، ومجدل زون، والسكسكية، والبرغلية والبيسارية، والمنطقة الساحلية في الزهراني وصور. (تم تسطير أكثر من 600 محضر مخالفة بلا تنفيذ في الأسبوعين الأخيرين، وتشير معلومات إلى وجود نحو 4000 مخالفة بناء منذ نحو شهر إلى اليوم!)، وأصبح منظر الخط الساحلي في منطقتي الزهراني- صور مشوهاً بشكل لافت، وذلك كله مغطى حزبياً وأمنياً.

وإزاء هذا الواقع لم يعد بمقدور قوى الأمن الداخلي أن تفعل شيئاً، إذ باتت أمام خيارين؛ إما السكوت (مع احتمال الرشوة)، وإما تجرّع حمام حجارة من النساء والصبيان "الغاضبين"!. (عدد من ضباط وعناصر قوى الأمن تعرضوا للضرب على أيدي محتجين رافضين إزالة تعدياتهم!)، وهو ما استدعى اجتماعات متلاحقة، كان آخرها الاجتماع الذي عقده وزير الداخلية زياد بارود لمحاصرة هذا الموضوع. علماً أن تغطية هذه "الفضيحة"، اقتضت من دولة رئيس مجلس النواب إصدار تصريح يستغرب فيه "عدم قيام القوى الأمنية بالإجراءات المطلوبة لمنع التعديات"!.

فضيحة فساد

أكثر ما هو مؤسف في هذا الموضوع- فضلاً عن التعدي على أراضٍ هي ملك اللبنانيين جميعاً وقيام بناء عشوائي ومشوه- أن التعديات حظيت -كما في السابق- لغطاء مرجعية هامة في الدولة اللبنانية، إضافة إلى دعم وصمت "حزب الله"، الحاضر بهيبة سلاحه، في مواجهة القوى الأمنية، إذا ما تعدت حدود تسطير "محاضر الضبط من بعيد".

ولم يقتصر الأمر عند هذا الحد، فرائحة المذهبية باتت تفوح من هذا الموضوع بشدة؛ إذ يعتبر فريق أنه مستضعف، لعدم امتلاكه السلاح (أهالي يارين المهجرين والمقيمين في البيسارية)، ويعتبر فريق آخر (في باقي القرى التي تشهد تعديات) أنه يحق لهم ما يحق لسواهم، خصوصاً أنهم "أهل الجنوب" و"مَن حرره". علماً أن ما حصل في البيسارية لم يعد ولم يكن- يساوي شيئاً من حجم التعديات الجارية على الأملاك العامة. (أحد نواب حركة أمل أقام "فيلا" على أرض مشاع، وأحد رؤساء بلديات منطقة صيدا-الزهراني، شيّد بناءً خاصاً به على الأملاك العامة في أرض كانت مخصصة لبناء سجن!، وأحد قيادات "حزب الله" المعروفين في الجنوب بنى "فيلا" في أرض مشاع بعد اقتسام الأرض مع آخرين في إحدى قرى بنت جبيل).

المفارقة؛ أن حماة هذا الواقع- الفضيحة، هم أكثر من يتحدث عن إزالة الفساد، وأكثر من يتحمس لإلغاء الطائفية، وأكثر من يدافع عن السلاح نافياً استخداماته "المشهودة" خارج إطار الدفاع عن الوطن، فيما الواقع يشهد تحالفاً بين الفساد والسلاح والكيدية السياسية والطائفية، يضعف الدولة ويستنزف مواردها وهيبتها، ولعل ملف التعدي على الأملاك العامة شاهد إضافي على ذلك.

المصدر:
اللواء

خبر عاجل