كتب حسن شلحة في صحيفة "اللواء": الأزمة التي يعيشها لبنان ليست وليدة "الانقلاب" الذي أدى إلى الإطاحة بحكومة الوحدة الوطنية التي يرأسها سعد الحريري، فالمشهد السياسي اللبناني المتوتر انفجر في 14 شباط 2005 عندما تم اغتيال الرئيس رفيق الحريري وهو واحد من أهم وأبرز الشخصيات العربية والعالمية، كما كان الشخصية الأهم والأبرز لبنانياً، والإطاحة بحكومة نجله سعد الحريري كان محطة ساخنة من هذا المشهد الذي لم يهدأ توتره منذ ذلك اليوم الأسود عام 2005، ويذهب كثيرون بأن اغتيال الرئيس رفيق الحريري كان لهدفين أساسيين:
أولهما: للتخلص من دوره الكبير المميّز سياسياً واقتصادياً، فالحجم الكبير لدوره على كافة الأصعدة شكّل عاملاً رئيسياً لاغتياله، وذلك بهدف القضاء على هذا الدور الذي استفاد منه كثيرون عربياً ولكن لبنان كان المستفيد الأكبر، فقد كان شخصية استثنائية لدور استثنائي كان لبنان بأمسّ الحاجة إليه بعد حرب مدمّرة استمرت أكثر من خمسة عشر عاماً دمّرت فيها جميع مقومات الدولة والسلطة والحياة.
فهذا الدور الاستثنائي للحريري الأب شكّل لدى أكثر من جهة دافعاً لإزاحته وإلغاء دوره، فهؤلاء بعد أن عجزوا عن ترويضه وتطويقه لم يجدوا سبيلاً لإلغاء دوره إلا باغتياله جسدياً ولذلك كانت العبوة الناسفة 1800 كلغ من المواد المتفجرة.
ثانيهما: استهداف استقرار البلد وأمنه، ولذلك لبنان منذ يوم اغتياله فقد استقراره، وبدأت معالم الفتنة تتغلب على عوامل الاستقرار بعد أن كانت جميع عوامل مقومات الفتنة غائبة كلياً منذ اتفاق الطائف 1989.
هذا ويضاف إلى ذلك أيضاً أن تغييب الحريري (الدور) يتيح الفرصة للمشاريع الأخرى كي تأخذ فرصتها للنجاح كلياً.
يرى مصدر سياسي أن التعقيدات التي يواجهها الرئيس نجيب ميقاتي، وبالتالي تمنع حكومته من أن تبصر النور، وما يرافق كل ذلك من "عقد" موضوعة أمام الحكومة المرتقبة، تشكل إحدى حلقات السلسلة الأمنية – السياسية الموضوعة أمام نهضة البلد من كبوته.
وعليه فإن الجهود التي بذلتها المملكة العربية السعودية وسوريا وهي التي عرفت بمعادلة (س-س) لو كتب لها النجاح لكانت شكلت حالة انقاذية، لابعاد لبنان عن دائرة الصراعات والتجاذبات والتوتر، فاللبنانيون تفاءلوا عندما شاهدوا الملك عبدالله بن عبد العزيز والرئيس بشار الاسد يهبطان معاً في مطار رفيق الحريري الدولي العام الماضي، ومصدر هذا التفاؤل يعود لإدراك اللبنانيين لمكانة ودور القائدين العربيين، ومدى تأثير دورهما في الداخل اللبناني.
ويضيف المصدر لو كتب للتفاهم السعودي – السوري الاستمرار والنجاح وفقاً للتصور الذي كشف عنه الرئيس سعد الحريري في مهرجان "البيال" والذي يقضي بتقديم تنازلات من جميع القوى السياسية اللبنانية، وهي تنازلات جوهرية فيما يخص سلاح حزب الله والمحكمة الدولية الخاصة بلبنان، وصولاً الى تتويج ذلك بمصالحة شاملة لا تستثني احداً. فإن لبنان وقتها سيقطع الطريق ويقضي على جميع العوامل التي تهدد الأمن والاستقرار السياسي والاجتماعي فيه.
فبعد فشل الجهود السعودية – السورية، عادت عوامل التوتر لتبرز مجدداً، كما عادت الفتنة لتطل مجدداً، وما حصل من "انقلاب دستوري" على حكومة الوحدة الوطنية كان نتيجة طبيعية لفشل هذه الجهود العربية، وما يحصل اليوم حكومة ميقاتي المنتظرة هو ايضاً لفشل جهود السعودية وسورية المشتركة.
ما اشار اليه المصدر هو واقع الحال الى درجة كبيرة، ولكن هناك من يشير ايضاً الى عوامل اخرى ساهمت في افشال معادلة س.س، منها ما كشف عنه وزير خارجية المملكة العربية السعودية الامير سعود الفيصل عندما اعلن وقف الجهود المشتركة بقوله: "تبين للمملكة ان سوريا وحزب الله لا يريدان من المبادرة السعودية – السورية سوى الغاء المحكمة الدولية الخاصة بلبنان، وليس حلا شاملا وكاملا للازمة اللبنانية؛ واعلنت مصادر اخرى في قوى 8 آذار بأن الولايات المتحدة الاميركية عملت على عرقلة الجهود السعودية – السورية ونشاط مساعد وزير خارجية اميركا جيفري فيلتمان كانت واضحة بأهدافها، هذا فيما كشفت مصادر مستقلة ان ايران لعبت دورا في افشال المبادرة العربية (س – س) لأنها لم تكن الطرف الثالث في هذه المعادلة، ولهذا برزت العقدة الأمنية ومنها وزارة الداخلية التي يرغبها حزب الله أن تكون في عهدة حليفه ميشال عون وإن لم يعلن ذلك صراحة.
يرى مراقبون أن أحد الأسباب المانعة لتظهير حكومة ميقاتي هو عدم وصول "كلمة السر" السورية إلى فريق 8 اذار وللرئيس ميقاتي، ويضيف هؤلاء أن القيادة السورية التي حافظت على خيط رفيع من الاتصالات مع قيادة المملكة العربية السعودية لا تريد قطعه خاصة بعد التطورات المستجدة في سوريا، فسوريا لا ترغب باستثارة "الشارع السني" اللبناني والعربي، وهي تدرك أن حكومة ميقاتي عارية من الغطاء الإسلامي السني لبنانياً وعربياً. ولذلك يتردد بأن عدم صدور "كلمة السر" السورية يأتي في إطار رغبة سورية بتقوية خيط التواصل مع المملكة السعودية وليس قطعه، وهذا ما دفع البعض أن يردد مقولة إمكانية تجدد الجهود السعودية – السورية الخاصة بلبنان وغيره.
على العموم الأسابيع المقبلة ستكشف مدى جدية ما يتردد في هذا الشأن، وقدرة الأكثرية الجديدة في تظهير الحكومة بعد الأعياد.