#adsense

ما وراء صمت 14 آذار وحيادها

حجم الخط

"إبعد عن الشرّ…" لكن سوريا جارتنا ليست اسكندينافيا
ما وراء صمت 14 آذار وحيادها

بصمت تام وعيون مفتوحة مترقبة يتابع “14 آذاريون”، قيادات ومؤيدين منظّرين، التطورات المتسارعة في البلد العربي المجاور للبنان. تحليلاتهم كثيرة متناقضة أحياناً وتلتقي على أن التاريخ لا يعود إلى الوراء، وإن حرصوا على الابتعاد عن أي رهان وموقف. والاحتمالات في حسبانهم محصورة: إما أن تقدم القيادة السورية سلسلة تنازلات للمحتجين عليها تقودها إلى مغادرة السلطة بهدوء ديموقراطي بعد وقت، وإما أن تغادر في ظروف أصعب بعد وقت، أو تكون سوريا دخلت مرحلة مخاض مُكلف ومؤلم لا يتمناه أحد، ولا يعرف أحد على وجه الدقة ما الذي سيسفر عنه. لسان حالهم يقول: فلتكمل الشعوب الشقيقة بنفسها رسم مصائرها في هذه الناحية من الشرق. لسنا في وارد مبارحة المنطقة الوسطى. خير الأمور الوسط. والرمادي أفضل الألوان عندما يكون الأبيض والأسود علامتي خطر شديد.

ليسوا في وارد الدفاع عن نظام الرئيس بشار الأسد كما يفعل خصومهم 8 آذار فهذا تدخل في شؤون الدولة الجارة. وليسوا بالطبع في وارد التصفيق للمتظاهرين ضده، فهذا أيضاً تدخل. كان في إمكان الرئيس سعد الحريري أن يتابع جولاته المقررة في عكار والبقاع لكنه أوقفها، فالناس الثائرون خلف الحدود قد يتأثرون بكلام ابن الرئيس الشهيد الذي كان له موقع مميّز عند كثيرين منهم. موقع ربما تسبب أو ساهم في قرار اغتياله. “ابعد عن الشرّ ولا تغنّ له”، يقولون.

يتفق على هذه السياسة “تيار المستقبل” وحزبا “القوات” والكتائب والآخرون، ولم يصدر أي صوت مخالف لها. ومنذ أن بدأ “المستقبل” يتعرّض لموجة الاتهامات من خلال قضية النائب جمال الجرّاح وقف الجميع معه تلقائياً وخاضوا معركة رد الاتهامات. والدفاع عن النفس موقف بديهي. أما العبرة فهي أن الحياد حيال الأحداث في سوريا عمل مشبوه. فسوريا ليست دولة اسكندينافيا ولا في أميركا اللاتينية يُمكننا متابعة أخبارها أياً تكن بدون رفة جفن، يقول خصوم 14 آذار. ويُلمح بعضهم إلى أثمان للحياد غير المقبول، لاحقة وحالية تتجلى في فتح صناديق جهنمية ومتنقلة، هنا وهناك، فيوماً تنفجر سجون في وجوه رجال الأمن ويوماً ورش بناء مخالفة تنبت كالفطر وبسحر ساحر في مناطق محددة. لا حاجة إلى عبقرية لملاحظة أن “المستقبل” أكثر المستهدفين لأن قاعدته في غالبيتها سنية تتشابك وتتفاعل مع الداخل السوري أكثر من غيرها. ولا للاستنتاج أن هذا “التيار” يتمسك بنقاط إيجابية لمصلحته سجّلها في السياسة التي اعتمدها رئيسه سعد الحريري في التعامل مع القيادة السورية، من زيارته الأولى والمفاجئة لدمشق بعد طول بُعاد، إلى إسقاط التهمة السياسية عنها في حديثه الصحافي الشهير عن “شهود الزور”، إلى سيره في مشروع الـ”سين- سين”. خطوات لم تُقابلها دمشق إلا بسلبية تُسجّل عليها في الدول العربية والغربية المتابعة لما جرى ويجري بين البلدين الجارين. فمن إصدار مذكرات التوقيف إلى الحملات والحملات ، حتى إسقاط حكومة الوحدة الوطنية بطريقة “مهينة” على ما أقرّ الرئيس نجيب ميقاتي، و”فجر القمصان السود” في شوارع بيروت الذي سبق استشارات تكليفه. لن يفرّط الحريري بهذه الأرجحية على القيادة السورية ولن يعطيها ذريعة لتنقض عليه وعلى حلفائه.

لكن أصواتاً خافتة بدأت تُسمع في بعض الصالونات السياسية غير البعيدة عن “14 آذار” والمتفاعلة معها، من “المجتمع المدني” تحديداً: هل موقف الحياد أخلاقي حيال الشعب السوري التائق إلى التمتع بشيء من الحريات والديموقراطية تمثلاً بنا؟ لماذا لا نلتقط اللحظة التي يتغيّر فيها مسرى التاريخ في بلد جارٍ فنكون شركاء في التغيير بعد شركتنا في المعاناة؟ ثم، هل لا يزال زمن الوصاية السورية والسوط الأمني متحكماً في عقولنا ويُملي علينا؟

ويذهب بعضهم في اتجاه آخر: بعدما رفعنا الصوت والتعبئة المعنوية ضد “السلاح الإيراني” سيَفيد من صمتنا اليوم متشددون إسلاميون مثل جماعة “حزب التحرير”، وسيحاولون النطق باسم سنّة في لبنان من خلال دغدغة غرائز مذهبية استناداً إلى ما يجري في سوريا. أما مسيحياً فيُمكن أن تتفاقم موجة انكفاء وانطواء أقلوي على الذات عملاً بمقولة “عند تغيير الدول…” فتُعطى المصالحة بين الزعماء الموارنة أهمية قصوى ليست لها حقيقة، وتتوسع الرغبة في التخلي عن الدور والحضور على مستويي لبنان والعالم العربي أيضاً بدافع من خوف وحرص على السلامة. فلماذا لا يُعلن أحد موقفاً للتاريخ على الأقل؟

المصدر:
النهار

خبر عاجل