أمام الرئيس السوري بشار الأسد خيارات صعبة، بل صعبة جدا. فالحركة الاحتجاجية التي انطلقت في منتصف آذار الماضي تحولت مع مرور الأيام وتساقط القتلى والجرحى المدنيين في الشوارع والساحات والمساجد ثورة حقيقية تحمل مطالب واضحة، بعضها تحقق على الورق، وبعضها لم يتحقق حتى الآن. ولكن الأكيد أن ما ينتظره الشعب السوري هو أن تتحقق المطالب التغييرية العميقة على أرض الواقع على قاعدة أن تغيير النصوص يحتاج الى تغيير الرجال الذين يطبقونها. هذه هي سنّة التطور السياسي الذي يصيب بلداً ما جرى إقفال الحياة السياسية فيه الى درجة جعلت أي حراك تغييري يتحول ثورة عارمة تنتشر عمودياً وأفقياً في المجتمع والجغرافيا. فالسجن العربي الكبير الذي تحدث عنه الشهيد الأول في لبنان كمال جنبلاط قبل أن يغتاله، لم ينحشر فيه اللبنانيون وحدهم، بل إن نزلاءه الحقيقيين والدائمين كانوا أبناء سوريا على مدى أربعة عقود.
قبل شهرين، وبالتحديد في 30 كانون الثاني الماضي تحدث الرئيس بشار الأسد الى صحيفة "وول ستريت جورنال" الاميركية عن تأثير ثورتي تونس ومصر على الشارع السوري، فاعتبر أن سوريا في منأى من الثورات لأن الحكم فيها قريب من تطلعات الشعب. وكان الأسد الابن يقصد أن خيارات النظام في سوريا الاقليمية هي التي تحول دون أن يثور الشعب لأن شعار "الممانعة" و"المقاومة" يعكسان تطلعات الشعب ويحرفان اهتمامه بالضغوط الداخلية. واليوم بعد ستين يوماً تقريباً على هذا الكلام، يكتشف الأسد أنه كان مخطئاً، وأن الازمة الداخلية هي أعمق مما كان يتصور. إن القبضة الامنية المخابراتية ما عادت تخيف المواطن الاعزل في القرى والمدن السورية. فجدار الخوف سقط الى غير رجعة. والدم المسفوك يغذي الثورة ولا يطفئها. والتشويه الاعلامي المتخلف أكان سورياً أم لبنانياً يسهم في ترسيخ الغضب العارم من النظام. وفي النهاية فإن ما انطلق كحراك احتجاجي محدود في المطالب يتحول ثورة عارمة مطلبها الاساسي هو رحيل الرئيس وليس أقل.
لقد دخلت سوريا عصر ثورات الحرية ولن تخرج منها إلا وقد تغير المشهد كاملا. وحتى اللحظة لا نعرف ما إذا كان الأسد الابن سينجو وحده من الثورة ببقائه رئيساً للدولة، لكننا نزعم ان الثورة لن تهدأ قبل ان تتغير طبيعة النظام في سوريا. ومفتاح التغيير سيكون بخروج فريق أمني – سياسي حكم البلاد أربعة عقود، ليحل مكانه فريق مدني ثوري ينقل سوريا من عصر السجن الكبير الى عصر الديموقراطية والحرية. وأياً تكن الخطوات التي سيقوم بها النظام، أكانت بوليسية أمنية أم سياسية فإن "السجن الكبير" يتم هدمه اليوم بأيدي احرار سوريا.
كمال جنبلاط، ليتك كنت معنا اليوم…