#adsense

“الحزب” ومسيحيو 8 آذار تحت وطأة المتغيّرات

حجم الخط

"الحزب" ومسيحيو 8 آذار تحت وطأة المتغيّرات
يواجهون تحديات وشروط ميقاتي الحكومية

حين قرر "حزب الله" وحلفاؤه في قوى 8 آذار اسقاط حكومة الرئيس سعد الحريري، وعندما سمّت دمشق الرئيس نجيب ميقاتي بدلا من الرئيس عمر كرامي، لم يكن كلا الطرفين يتوقعان ان تكون درعا اول مدماك يُسقط حال الطوارئ في سوريا.

فأحداث سوريا جرت بسرعة دراماتيكية، جعلت جميع الاطراف المعنيين باسقاط الحكومة ومحاولة تشكيل اخرى، يعيدون ترتيب اولوياتهم وحساباتهم وفقا لروزنامة التطورات السورية، وتدابير السفارات الغربية فيها.
سمَّت دمشق ميقاتي وفي ذهن قيادتها انه سيكون صلة وصل بينها وبين السعودية والعالم الغربي، على غير النحو الذي كان عليه الحريري. وسمّى "حزب الله" ميقاتي على مضض، وكذلك فعل كل من العماد ميشال عون والنائب سليمان فرنجيه، وكلاهما خبر ميقاتي في السياسة وفي الانتخابات النيابية، وكلامهما عنه في مجالسهما الخاصة خير تعبير عن الثقة المفقودة منذ زمن. كان ثمة قطبة مخفية قالها عون مرة حين بدأ ميقاتي يؤخر تشكيل الحكومة. وبدا لبعض الوقت ان الحزب يشارك ميقاتي في تمهله وعدم استعجاله لتشكيل الحكومة، ناحيا نحو تأييد الفراغ من اجل استيعاب مفاعيل القرار الاتهامي الذي كان صدوره وشيكا.

الا ان حوادث سوريا المتسارعة، جعلت قوى 8 آذار تطرح مجددا هواجسها المحلية والاقليمية من زاوية الفراغ الحكومي. فسوريا مشغولة بترتيب اوضاعها الداخلية، واستخلاص العبر من التوتير المتنقل جغرافيا في مناطق بالغة الحساسية طائفيا واجتماعيا، والتصعيد المتمادي والدامي اسبوعا بعد آخر. وميقاتي يتصرف وكأن الكلمة الاخيرة له في تشكيل الحكومة، وهو يبتدع كل اسبوع، بحسب محاوريه، شروطا تعجيزية جديدة، وتوزيعا مختلفا للحصص والحقائب، ويطرح معها اسماء جديدة اما للاستيزار او للاستبعاد. ولا تستطيع قوى 8 آذار اذا ارادت تشكيل حكومة بالتي هي احسن – لاسباب اقليمية وسورية – الا ان ترضخ لشروط الرئيس المكلف ومعه رئيس الجمهورية متضامنا ، وتجمّل تنازلها ببنود تسويقية لا تسمن ولا تغني من جوع.

واي نية تصعيدية في لبنان ستأخذ منحى امنيا خطيرا اذا استمرت حال الفراغ السياسي على ما هي، في وقت تؤشر الخلافات العربية – الايرانية الى ان اي توتير امني لبناني بخلفية مذهبية لن يكون بالسهولة التي يتوقعها البعض، اذ لم يعد سهلا رسم السيناريوات الامنية السابقة، كما حدث في 7 ايار، او التهويل فوق رأس الاستثمارات في وسط بيروت، ولا حتى الذهاب الى صدام سياسي يكسر الجرة مع السنة، بالتلويح بتغيير ميقاتي، مهما بلغت حدة شروطه، وخصوصاً بعدما فرضت احداث الخليج والبحرين وساحل العاج وسوريا نظرة جديدة الى الواقع الشيعي الذي يرتد على نفسه ويزيد من حجم تقوقعه جغرافيا.

لذا باتت قوى 8 آذار امام خيارات مقفلة، بعدما صارت اسيرة النفق الذي ادخلت نفسها به، لان الوقت كفيل بقتل احلام البعض في النصر، وامتصاص اثار سقوط الحريرية السياسية التي عادت تنطلق مجددا بقوة.
والمسيحيون في قوى 8 آذار يعرفون ان لائحة اخصامهم بدأت تطول، بدءا من الحريري وصولا الى ميقاتي ورئيس الجمهورية الذين يحاولون كل على طريقته تحجيم حصة هؤلاء المسيحيين الحكومية ودورهم السياسي في آن. والوضع السوري لا يصلح اليوم لتشكيل مظلة حماية او حتى دعم سياسي، ولا سيما ان ثمة عنوانا عريضا روّج له لبنانيا في الفاتيكان عن ان سوريا حامية المسيحيين في الشرق، الى حد ان البطريرك مار بشارة بطرس الراعي سارع فور انتخابه، وبدعم فاتيكاني واضح، الى الاعلان عن زيارته سوريا. الا ان احداث سوريا افشلت هذا التوجه في شكل جذري، الى حد ان مسيحيي 14 آذار تعاملوا مع لقاء بكركي على ان مجرد مشاركة عون وفرنجيه فيه، هو قبول ضمني بان ثمة مراحل مستقبلية غير مطمئنة تفترض الاحتماء مسبقا بسقف البطريركية المارونية.

اما التحدي الآخر فيعيشه "حزب الله"، ويكمن في ان اللعبة السياسية افلتت من يده، ولم يعد يستطيع اعادة عقارب الساعة الى الوراء واستعادة تكليف ميقاتي، لاسباب سنية – شيعية. لا بل انه بدأ يلمس بجدية ان كل تنازلاته الحكومية ليست قابلة للصرف عند الرئيس المكلف. من هنا فانه بات محكوما باعادة ترتيب اولوياته والاستعداد لمواجهات سياسية واجتماعية مكلفة، وخصوصا بعد التطويق الافريقي والخليجي للبنانيين الشيعة. اما امنيا، وبصرف النظر عن الموضوع الاسرائيلي، فان الجغرافيا السياسية التي تؤطر الانتشار الشيعي، تجعل من السهل على الثنائية الشيعية اعادة التموضع والاستكانة الى حيث مناطق نفوذها، الامر الذي يسهل عليها مواجهة تسارع التطورات الاقليمية والسورية على نحو يضعها اما في خانة الانتظار الآمن، او يوسع حلقات المواجهة عند الاقتضاء. وغالبا ما كان الامنيون في المرحلة الفاصلة بين انتهاء ولاية الرئيس اميل لحود واتفاق الدوحة، يركزون اهتمامهم على خطورة الخطوط الاستراتيجية، جنوبا وبقاعا وحتى على مشارف بيروت. وهو امر لا يزال على حاله لا بل ملموسا اكثر. وجاء انفجار قضية البناء غير الشرعي بكثرة، على الاملاك العامة جنوبا، والمواجهات الميدانية الاخيرة، ليطرح اسئلة عن مغزى التوقيت والحساسيات الداخلية بين الثنائية الشيعية التي حتّمت وصول الامور الى ما هي عليه.

المصدر:
النهار

خبر عاجل