كانت الشعوب في الوطن العربي بلا "أعمار" من قبل، وبلا "مصائر" و"بلا زمن"، وعندما نقول "بلا أعمار" كأنما نقول إنها "ولدت من توها"، و"انتهت من توها" في حالة شبه جامدة، وساكنة، و"طاعنة في موتها" "السريري" في غرف العنايات الفائقة التي يشرف عليها الطغاة ودكاترة القتل والعنف والفساد من زبانيتهم ومن حلفائهم.. ومن عبيدهم! وعندما نقول ان هذه الشعوب "بلا مصائر"، فيعني انها غارقة في غياب نباتي طويل، وسط حصار المعادن والأسلحة والعنف الذي يقيمه نظام الدكتاتوريين. فمصائرهم كأنها تصلهم بالبريد. لكن بلا طوابع سوى صور الاستبداديين، ولا عناوين سوى أسماء السجون والمعتقلات والمقابر… أو النفي. فمصائرهم ملك "للأخ الأكبر" أو "فخامة الرئيس" أو "الرفيق القائد" أو "القائد الملهم"، أو "الجنرال المُوشى بأوسمة مزيفة.. من المجهول المعروف، إلى ما يشبه أحياناً الجحيم، او المصير المحتوم. شعوب كأنها آتية (اذا نجت) من توها إما من "الجحيم" أو "ذاهبة" من توها إلى الجحيم.. أو بين بين. وهذا ما يُحيل أزمانها مُفرَغةً إلاّ من تقاويم الأحكام العرفية، ومواعيد الخوف ومن علامات الخطر. كل شي، على امتداد قرابة ستة قرون من تسلط الطغاة، جَعَلَ من الشعب العربي شعباً افتراضياً، دائماً على حافة، دائماً على مهوار، دائماً على هاوية: النظام بوحشيته وجنونه. وعصاباته، وبلطجييه وعنفه أمامهم والهاوية من ورائهم! وعلى هذا الشعب أن يعرف كيف يجمع في سلوكه وأفكاره، الهاوية والطاغية في آن واحد، بحيث إذا اختل الميزان بينهما.. سقط من كل نوافذه! ومن كل أبوابه! ومن كل مدنه.
إذاً كان الشعب العربي يعيش "من توه" إلى "توه" و"الطغاة من الأبد إلى الأبد"… حتى قامت ثوراته المجيدة. حتى نهضت إرادته من توازن الرعب والخنوع، القتل والخوف، الأمان المزيف، والقبول القسري. رفع أعلامه وقال "لا"! كفى! واستعاد الشارع والمدن والمنازل والدساكر. حوَّلها ساحات للتحرير. وميادين للحرية. وفضاءات للديموقراطية، وحدائق للكرامة! قال الشعب المنتفض في مصر وفي تونس وفي ليبيا وفي اليمن… (وفي لبنان في 14 آذار 2005) هذه بلادنا لنا. وهؤلاء الطغاة خوارج. هذا وطننا العربي ملكنا والطغاة خونة. هذه الأرض العربية نَسَبُنا وجذورنا.. والطغاة هم الوهم!
فليسقط الوهم: سقط الطاغية الأول في تونس وهرب. سقط الطاغوت الثاني في مصر. ثمّ هَبّت الناس في اليمن وليبيا… (واليوم في العراق)، وقالت: كيف لا نكون مثل أهلنا المنتفضين في مصر وتونس، ونحن من أرومة عربية عروبية واحدة؛ و(الحبل عّ الجرار.. إلى سائر الطغاة وأعوانهم وكلابهم في ما تبقى هنا أو هناك).
وشهدنا ونشهد ان الشعب العربي صارَ "أعمارَه" و"مصيرَه" و"زمنَه": كأنما خرج من توه من جذوره: بل كأن سباقاً جرى بينه وبين جذوره العميقة التي اخترقت البواطن والقسمات وسمقت جذوعاً وظلالاً وثماراً!
بل كأن سباقاً جري بينه وبين الجذور: من يدرك الضوء أولاً ويبقى هناك!
أما في المقلب (الآخر فقد بات الطغاة (وبُغاتهم) هم الذين "بلا أعمار" و"لا مصير" و"لا زمن".. تراهم فوق في القمة.. ثم ومن "توهم" يسقطون: ويصح عليهم ما كان يصح على الشعب (أيام جبروتهم) كأن تقول بلا أعمار كأنما تقول "انهم ولدوا من توهم وماتوا من توّهم" وكأن تقول عنهم "بلا مصائر" لأن مصائرهم صارت بأيدي الناس… ومعلومة هذه المرة! وكأن تقول عنهم "بلا زمن" لأن زمنهم بات من غبار، ومن عبور سريع.. ومن تدركب في القصور.. ووراء البلطجية، والعدم: صاروا العدم المزري!
صار زمنهم من آثار البائد. والغريب صرت إذا تذكرت من سقط منهم حتى الآن كمبارك وبن علي تحس انهما رحلا قبل ألف عام…كأنما دخلا في ادراج النسيان.. او كأنهما مرّا مروراً "بلا أثر يذكر" ولكن لا بد أن يبقى في ذاكرتك ما خَلَّف هؤلاء الطغاة من موبقات وجرائم وفساد وجروح… لكن إلى ذلك لا بدّ ان يبقى شيء لا تنساه منهم: لحظاتهم الأخيرة: صورة الطغاة في سقوطهم الأخير. وهنا تحضرني صورة صدام حسين وهو خارج من الحفرة بذقنه المتسخة وبشعره المنفوش، وبثيابه الرثة ونظراته الزائغة البائسة البلا ضوء، ولا عتمة، ولا لون. وهنا بالذات تعوم في ذاكرتك صورة أخرى له أيام العز: مثلاً تلك التي كان يعتمر فيها قبعة ويحمل بندقية، ويطلق الرصاص ابتهاجاً في الهواء، بكل زهوه! هنا صورة الطاغية في "ربيعه" وهنالك في شتائه! واتذكر مثلاً آخر صورة علقت في ذهني لحسني مبارك: صورة صوته في الشريط الذي بثه في التلفزيون دفاعاً عن نفسه بشأن الثراء غير المشروع. كان صوته.. بلا صوت. كأنه أتٍ من الغيوب. أو ذاهب إلى الظلال… صوت بلا زمن… وبلا مسافة. وبلا وصول: كأنه سجّله ليصل إلى اذنيه فقط. انه صوت الدكتاتور الأخير: والصوت صورة لهما عينان وفم وملامح ويدان وقدمان وملابس وكراات وأحزمة! كل هذه "العدة" الصوتية… صارت أصداء مجرد أصداء بلا صوت: ما أروع أصوات الطغاة عندما تصير أصداء وهنا استحضر مبارك في أوجه: القامة متينة، الصوت مليء، الكلمات راجحة، ملفوظة بكل مخارجها. النظرات واثقة.اليدان اطول من ظلالها… والتلويح للجماهير… تلويح "للأبدية"! وأكثر من لفتني مثلاً صورة الدكتاتور "العاجي" غباغبو بعد استسلامه في أحد الفنادق: بالبروتيل: والدكتاتور في غرفة النوم وبالبروتيل.. دليل غريب! عري وعجز وخروج على المألوفّ وزوجته قربه ترمقه بنظرات هي مزيج من الاستسلام والحث على التماسك! فالمرأة ربما اقوى من الرجل في مثل هذه اللحظات التاريخية. اما غباغبو فعيناه كأنهما كانتا تنظران من وجه آخر. غريب. عينان تستدركان الحضور وتغالبان الذل. إنها العزلة المعلنة. بلا شوائب. ولا منافذ. ولا هواء. وعزلة الدكتاتور مضاعفة وكثيراً، عزلة الخروج من عزلة التسلط وعزلة الدخول في النهايات. أتذكر هنا رواية ماركيز "خريف البطريرك" هذه الرائعة التي رصد فيها ماركيز بشفقة مشفوعة بالرثاء… نهاية دكتاتور! وأستحضر هنا "الملك لير" لشكسبير من دون أن أنسى "ريتشارد الثالث"… وكلتاهما (أي المسرحيتان) تعبران عن تلك الوحدة القاتلة التي يعيشها "لير" بسبب حماقته، وريتشارد الثالث بسبب طغيانه وفساده: فلنتذكر المشهد الأخير من ريتشارد عندما صرخ وقد سقط من على حصانه في عز هزيمته "أبيع مملكتي بحصان… وهذا يذكرنا بمونولوجات هؤلاء الطغاة العرب "أبيع جمهوريتي بنجاتي" أو "ابيع مسروقاتي وثرواتي التي نهبتها.. بمكان يؤويني… "بنجاتي".
كل هذا يقود إلى كلام آخر: ما أهش القتلة. وما أخف هؤلاء الذين لم يتورعوا عن أي شيء لبقائهم باركين كالجمال الميتة على رؤوس شعبهم. ما كان اثقلهم في جبروتهم، وما كان أخفهم في سقوطهم. جلاميد تحط وغبار يتلاشى. معنى التلاشي السريع في اللاشيء، هو المعنى الأخير لهؤلاء. كأنما إن تَبقّى شيء منهم فآثارهم وأمراضهم والجروح والخراب التي تركوها وراءهم. اما هم، فمن فتات ذكرى هنا، او خرقة قذرة هناك! معنى التلاشي هو معنى الهشاشة. فهل كان هؤلاء مُجرد فزاعات من قش تحرسها الكلاب. فهل كان هؤلاء "الرجال الجوف" (الذين تكلم عنهم اليوت) ولكن كيف كان لهؤلاء ان يظهروا مليئين مكتظين بذواتهم، محشودين بظلالهم. مرنانين بمعادنهم. مقرقعين بحضورهم؟ انه الاستيهام؟ ربما! انه الخوف يرسم قاماتهم، وقبعاتهم وسيماءهم وشموسهم؟ وأقمارهم؟ وقوتهم؟ أهي اللحظات الهاربة صنعت "أبديتهم" الخوف.
الرعب. الذعر. فكرة الخلود مستمدة من "خلود الآلهة" كل ذلك كان له ان يحفر تماثيل لهم في النفوس قبل الساحات. انها الجدران التي كانت تفصل بينهم وبين حقائقهم الواقعية. فعندما كنت أتجول في بعض المدن العربية (قبل هذه الثورات) كنت أحس وكأنما الناس تمشي في نومها. مروبصة. تائهة. مخدرة. مسكونة. غائبة. سائحة. شاردة: تطرق الشوارع والأرصفة بخطاها بلا رغبة. بلا شهية. بلا متعة. بلا حياة سوى سعي غامض للعيش. سعي كثيره غياب. كثيره اقتلاع. كثيره قهر كأنما مهووسون بمجهول يطاردهم. بأشباح ترصدهم. بقناصة خلف الهواء والسماء والغيم والحيطان والأبواب يصوبون رصاصهم على ظهورهم أو على عيونهم… وأرجلهم. بل كنت أحس، وأنا أجوب الشوارع في بعض المدن العربية وكأن الشوارع باتت أمكنة للتوقف والتجمد أكثر مما هي طرقات للعبور. بل كان التقدم مشي إلى الوراء، والتراجع مشي إلى الأمام. انها الهشاشة التي لا تحتمل. الخفة المتصادمة حتى بالهواء. بل كأن هذه الهشاشة تنتقل فجأة إلى كل شيء. إلى المكتب والمسارح والسينما والتلفزيون والأعراس والمآتم والأرصفة والجرائد والمكتبات والمعابد والملاهي والمقاهي… من أين كل هذه الهشاشة! من أين كل هذا اللاتوازن. من أين كل هذا التشظي؟ كان الشعب العربي بلا أوزان. ولا أحجام. هكذا: كُتل تتحرك محكومة بشروط اليأس والاحباط والغياب والانكفاء والقبول. لكن، وفي الوقت الذي كان الطغاة ملء تجذرهم وتصميمهم جرى ما لم يكن في الحسبان. شيء سرى في الهواء. اسرارٌ تفتحت فجأة وفاحت على الشباب بكلامها الذهبي: بوصلة ظهرت كالشمس في الأرياف والمدن والساحات تدعوهم دعوة واحدة إلى تمزيق الأقنعة، وكسر القيود المرئية وغير المرئية. وما ان اُطلقتْ أول صرخة. ثم سفكت أول قطرة دم، وأضاء أول شهيد، حتى هبّ العالم كله هبة واحدة. باشارة واحدة. بصوت واحد: فليسقط الطغاة… وسقط هؤلاء. فجأة احتل النور الهواء كله والسماء كلها والعواصم كلها: زنقة زنقة. داراً داراً. زقاقاً زقاقاًَ. قلباً قلباً. طفلاًَ طفلاً. شاباً شاباً. عجوزاً عجوزاً. امرأة امرأة.. اجيال تشابكت ونزلت وهدرت وغنّت. وهتفت. وتظاهرت غير عائبة بالموت. ولا بالرصاص. ولا بغدر البلطجية. ولا بخسة الشبيحة. لا شيء يوقفها. لا وعود زائفة. ولا كلام معسول. ولا خطب انشائية، ولا محاولات استيعاب، ولا وسائط، ولا تهديد، ولا اتهامات بالخيانة، ولا بالتعامل، ولا بتلقي الأموال من الخارج. ولا اتهامات باطلة بالصاق العنف بهم… لا شيء! العاصفة هبت، والطغاة بدوا خرقاً جوفاء تسعى إلى الهروب أو الاختباء، أو إلى جنون القتل والقمع… في معاركها الأخيرة.
انها اللحظات القصوى. لحطات القمم: وكل لحظة قمة تحتوي على زمن هاوية ."الناس اللي فوق صاروا تحت" في الحضيض، ولا من ينقذهم. وحيدين إلاّ من بعض "البُغاة" من جيوشهم المهزومة، ومن أجهزتهم المتهاوية، ومن "حلفائهم" والمتواطئين معهم.
فلنتذكر هؤلاء الطغاة واحداً واحداً: لم يبق منهم سوى ظلال باهتة. لا شيء. سوى صورتهم الأخيرة في ذلهم، وانكسارهم وختام عصرهم. وربّ قائل: قد تطول الأمور هنا في هذا البلد، أو تتجدد هناك في ذلك البلد: انه ما تبقى من الوقت الضائع عند هؤلاء القتلة. انه الوقت المقتطع من أعمار الأوطان. انه الوقت المقتطع من حياة الناس. انه الوقت المقتطع لكن القاطع بسيفه حضورهم الأخير. مسألة وقت، ولو هربوا إلى الأمام فسيواجهون الناس. ولو هربوا إلى الوراء سيواجهون الناس. ولو لجأوا إلى الكهوف سيواجهون الناس. ذلك انها باتوا كالغبار القذر الموبوء.. والناس باتت تحاصرهم كالعواصف! ولن تنجيهم هذه المرة لا وساطة من دول كبرى، ولا تآمر من "حلفاء" يشاركونهم جرائمهم، ولا مساعدات من "الآلهة" ولا من السماء انهم في صورتهم الأخيرة، الممزقة في الشوارع وفوق السطوح… تنتظر من يكنسها… ومن يبصق عليها، بلا رحمة ولا شفقة!
انها الصورة الأخيرة للطغاة!