في الرابع والعشرين من نيسان من كل عام، يلتئم شمل الأرمن في لبنان وكل أصقاع المعمورة ليرفعوا الصلوات في ذكرى حوالي المليون ونصف شهيد من بني قومهم سقطوا تشبثاً بهويتهم الوطنية وإنتمائهم القومي وايمانهم المسيحي.
واننا إذ ننحني إجلالاً وإكباراً للتضحيات العظام، يعود بنا الزمن الى ما تعرّض له آباؤنا وأجدادنا في الفترة الممتدة من العام 1894 مروراً بالعام 1915 حتى نهاية الحرب العالمية الأولى. لقد تعرض الرجال منهم للقتل المتعمد والنخب العلمية والثقافية والمهنية للاغتيالات الغادرة والتصفية الجسدية، بينما كان مصير النساء والاطفال والشيوخ ان يمضوا في العراء سيراً على الاقدام في "مسيرات الموت" عبر بر الاناضول وصحاري سوريا والعراق حيث الجوع والعطش والمرض والموت الاكيد. وبحلول العام 1923 كانت النتيجة ان قامت السلطات العثمانية وحكام تركيا الفتاة بحملة تطهير عرقي بحق المواطنين الارمن والسريان والكلدان، واستشهاد اكثر من مليون انسان ارمني بعد ان تعرضوا لتهجير قسري من أرضهم التاريخية: لقد قتل ثلثا سكان ارمينيا الغربية وكيليكيا (تركيا الشرقية اليوم) بينما توزع الثلث الباقي شتاتاً حول العالم. فالمجزرة Genocide أو كما يسميها الأرمن Aghet لم تعد موضع إثبات علمي أو جدل أكاديمي بل أضحت حقيقة تاريخية راسخة معترف بها في أعلى المحافل الدولية ومن قِِِبل كافة برلمانات العالم الحر والمتحضر رغم الحملات الدؤوبة والدعاية المضادة التي تقوم بها السلطات التركية المعاصرة لنكران هذه الوقائع.
ُربّ قائلٍ : ما بالهم الأرمن! العالم يتخبط في أزماته وحروبه… وهم ؟ أسرى المطالبة بالإعتراف بمجزرة حصلت أوائل القرن الماضي على يد أجداد من يطلب منهم اليوم الإقرار والإعتذار. وينصح بعضهم: اتركوا موتاكم ترتاح ولا تبقوا رهائن حنينية مزمنة Nostalgia وماض لن يعود. سامحوا، انظروا الى مصالحكم، اعتمدوا السياسة الواقعية ولا تنتظروا الإعتراف بالحقيقة…فوحدها موازين القوى تتحكم بكتابة التاريخ. أنتم عالقون في الماضي والعالم من حولكم يتغيّر.
يقول السيد المسيح: "السماء والأرض تزولان ولكن كلامي لا يزول" متى24:35 . هكذا الحقيقة، لا تزول. والحق يقال أن الأرمن، كما أهل أي ضحية، يعانون من حالة "عزاء غير مكتمل" Incomplete Mourning . هي حالة إنسانية قبل أن تكون سياسية-قومية، فحال المجتمعات التي تقع ضحية مجزرة جماعية مشابه لوضع الأشخاص أو العائلات التي تعاني من نتائج الجرائم الفردية بحق فرد من أفرادها. يرتاح أهل الضحية وتطمئن نفوسهم عند تحقيق العدالة ولو أن إحقاق الحق لن يبعث الحياة بمن غادروا الى دنيا الخلود. وهنا أهمية الإقرار بالذنب المعنوي أو القانوني، فاعتراف الجاني أو سليله أو وريثه بالخطأ كاف في بعض الأحيان لفتح صفحة جديدة من العلاقات الإنسانية بين أخصام الأمس.
هكذا المجتمعات، ترتاح عند الإقرار بالحق والحقيقة والعدالة .كيف لا والحال عند الأرمن أن هذه العناصر الثلاثة باتت تشكّل حالة تاريخية وإنسانية وقومية ووطنية جامعة.
ما لم يفهم أحفاد العثمانيين أي أتراك اليوم هذه الحقائق، فعبثاً نفتش عن مصالحة وتسامح وانفتاح. "تعرفون الحق والحق يحرركم" يوحنا 8 :32 . نعم اننا نستلهم التاريخ لأخذ العبر وليس للانتقام . اهل كرامة وعنفوان نحن انما ايضاً اهل قيامة بعد الآلام واهل ايمان ورجاء وغفران. نعم، المطلوب من الجيل التركي المعاصر أن يتحلى بشجاعة الطيب الذكر البابا الراحل يوحنا بولس الثاني يوم وقف باسم الكنيسة الكاثوليكية، معتذراً عن تخاذلها أو كتمها بعض الحقائق بما خصّ الهولوكوست والحروب الصليبية. لم تستقم الامور في افريقيا الجنوبية ولم تطوى صفحة ممارسات التمييز العنصري إلا بعد الإعتراف بالأخطاء والإعتذار من خلال "الحقيقة والمصالحة". وحده الجهر بحقيقة حصول المجزرة ينقي ذاكرتهم الجماعية كأتراك ويحقق العزاء الكامل لشهدائنا.