#adsense

مطر ترأس قداس الفصح: كفانا عجزا عن النهوض بأعباء البلاد وعن تأليف حكومة ترعى شؤون العباد

حجم الخط

احتفل رئيس اساقفة بيروت للموارنة المطران بولس مطر، بقداس أحد القيامة في كاتدرائية مار جرجس المارونية في بيروت، يحيط به النائب العام للأبرشية المونسنيور جوزف مرهج والمونسنيور اغناطيوس الأسمر والأبوان بول مطر وجو دكاش. شارك في القداس حشد من المؤمنين تقدمهم وزير الشؤون الاجتماعية الدكتور سليم الصايغ والنواب: فؤاد السعد ونديم الجميل وسليم سلهب وناجي غاريوس، رئيس المجلس العام الماروني الوزير السابق وديع الخازن والوزراء السابقون ماريو عون وغطاس خوري وابراهيم الضاهر، النائبان السابقان بيار دكاش وشفيق بدر، نقيب الصحافة محمد البعلبكي وأمين عام لجنة الحوار الاسلامي – المسيحي الامير حارث شهاب ومسعود الاشقر.

بعد الانجيل المقدس، القى المطران مطر عظة جاء فيها: "المسيح قام، حقًّا قام". أيُّها الأحبَّاء، إنَّ آلامَ المسيح الَّتي أقمنا ذكراها في الأسبوعِ الَّذي انقضى ما كانت لهُ أبدًا نهايةَ مطافٍ، ولا كان موتُهُ حدًّا وَضَعََهُ الصَّالِبون لحياتِهِ. بل كلُّ شيءٍ تغيَّر عندَ الرُّسُلِ وعندَ المُقرَّبين من يسوع حين شاهدُوا حدثًا يُحيِّرُ العقولَ ويهزُّ الألباب. ألا وهو حدثُ الحجرِ المدحرجِ والقبرِ الفارغِ والأكفانِ المَطويَّةِ وكأنَّها لم تُستَعمل. وكم اضطربت مشاعرُهُم وبلغَ الذُّهولُ بهم مبلغًا يَفُوقُ التَّصوُّرَ عندما رأتهُ المجدليَّة أوَّلاً على مقرُبةٍ من القبرِ، ومن ثمَّ الأحد عشر، وهم مجتمعُون في البيتِ، وكان يُلقي عليهم السَّلامَ أو يحدِّثُهُم أو يقومُ بالتَّرتيباتِ المتعلِّقةِ بحياةِ الكنيسةِ وبتسليمِ بطرس زمام رعايتِها.

نحنُ نؤمنُ أنَّ يسوع تقبَّلَ الموتَ فِداءً عنَّا وتكفيرًا عن خطايا العالمِ كلِّه. لكنَّ هذا الفداءَ ما كان لِيُعطيَ ثمرةً واحدةً لو لم تُتَوِّجهُ القيامةُ. ولقد أشارَ بولس إلى هذا الأمر في رسالتِهِ الأولى إلى أهلِ كورنتس عندما أكَّدَ أنَّه "لولا قيامة يسوع لَكانَ تبشيرُ الرُّسُلِ باطلاً وإيمانُنا باطلاً أيضًا ولَكُنَّا بعدُ مُقيمين في خطايانا" (1 كور 13-14). فالمسيحُ الَّذي تسلَّمَ الموتَ طوعًا وبكلِّ إرادةٍ حرَّةٍ، والَّذي حملَ على مَنكبَيهِ صليبَ الإنسانيَّةِ وأثقالَها، ما كان ممكنًا أن يبتلعَهُ الموتُ لأنَّهُ أصلاً ربُّ الحياةِ ومصدرُها، وهو المُقيمُ في حضنِ الآبِ منذُ الأزلِ. لذلك أنهضَهُ اللهُ وقَبِلَ قربانَهُ عنَّا ومنحَ بهِ النِّعمةَ والخلاصَ لجميعِ الشُّعوبِ. لكنَّ سرَّ الفِداءِ لا تكتملُ أضواؤهُ إلاَّ بفعلِ كلامٍ آخر للرَّسولِ عينِهِ، حيثُ يصنعُ مقاربةً في رسالتِهِ إلى أهلِ روما بين آدم أبينا الأوَّلِ وبين المسيح الَّذي أطلقَ عليه اسمَ آدم الثَّاني أو آدم الجديد. لقد جاءَ في الفصلِ الخامسِ من هذه الرِّسالةِ "أنَّ الخطيئةَ دخلَت إلى العالمِ بإنسانٍ واحدٍ "هو آدم"، وبالخطيئةِ الموت، وأنَّ التَّبريرَ دخلَ أيضًا بإنسانٍ واحدٍ "هو الرَّبُّ يسوع"، وبالتَّبريرِ الحياةُ الجديدةُ.

إنَّ هذه المقاربةَ بين آدم والمسيح تدلُّ بذاتِها على أنَّ زمنَ البشريَّةِ باتَ يُقسَمُ إلى قسمَين: الأوَّلُ منهما هو زمنُ آدم العتيقِ والتَّاريخِ الَّذي تلاهُ حتَّى المسيح، والثَّاني وهو زمنُ المسيح الَّذي سيمتدُّ إلى آخرِ التَّاريخِ البشريِّ حينَ تتمُّ مشيئةُ اللهِ في خلقِهِ ويكتملُ الملكوتُ السَّماويُّ الموعود. على أنَّ هذه الصُّورةَ لها ترجمتُها أيضًا في واقعِ الحالِ لدى كلِّ إنسانٍ منَّا وكلِّ جماعةٍ. فالإنسانُ العتيقُ بحسبِ آدم باتَ إنسانَ الانقسامِ والخطيئةِ والشُّرورِ على أنواعِها، وإنسانَ العجزِ عن تغييرِ ذاته بذاتِه. أمَّا الإنسانُ الجديدُ بحسبِ يسوع المسيح فهو إنسانُ المحبَّةِ والمُصالحةِ والغفرانِ، والإنسانَُ القادِرُ أيضًا بنعمةِ اللهِ على تغييرِ ذاتِهِ وتحقيقِ رسالتِهِ. وإنَّنا نرى صورةً لهذه الحقيقةِ في سرِّ العمادِ الَّذي نقبلُهُ باسمِ المسيح. فالعمادُ يرمزُ إلى تغييرٍ جوهريٍّ في كيانِ المُعمَّدِ ويحقِّقُ هذا التَّغييرَ بانتقالِ صاحبِهِ من وضعِ إنسانٍ كان خليقةَ الله إلى وضعِ مَن يتبنَّاهُ الآبُ بيسوع المسيح الابنِ المتجسِّدِ. فالمُعمَّدُ الَّذي ينزلُ إلى الماءِ أو يُغسلُ به رأسهُ يموتُ عن خطاياه على صورةِ موتِ المسيح الَّذي يحمل خطيئتنا، وينهضُ من الماءِ على صورةِ قيامةِ المسيح وقد تبرَّرَ ودخلَ إلى حياةٍ جديدةٍ. فيتَّحد المؤمنُ بالمسيح ويتحوَّل إلى رائحةِ يسوع الطيِّبةَ، ساعيًا إلى عيشِ الحبِّ والسَّلامِ إلى أن يبلغَ بقوَّةِ الرُّوحِ القدس ملءَ قامةِ المسيح.

لهذا فإنَّنا نحنُ المُعيِّدين لِقيامةِ الرَّبِ له المجدُ، لن نكونَ مُشاهِدين لِهذا الحدثِ العظيمِ وحسب، ولا حتَّى شهودًا له في الإيمانِ. بل نحنُ مَعنِيُّونَ بحقيقتِهِ كيانيًّا وإلى أقصى الحدودِ. فيسوع القائمُ من الموتِ قد أعطى العالمَ فرصةً جديدةً ليتغيَّرَ وينجُوَ من واقعِ مأساتِهِ المريرِ. وهو رسمَ لهُ عيشًا جديدًا وأخوَّةً مُستَعادةً من الجميعِ إلى الجميعِ وتقاربًا بين الَّذين كانوا بعيدين بعضهم عن بعضٍ. لقد صالحَ يسوعُ بين النَّاسِ بصلبِهِ وموتِهِ وجعلَ من اليهودِ واليونانيِّين واحدًا على ما قال بولسُ فيما كان هؤلاء لا يَلتقُون على المودَّةِ ولا يتبادلون الاعترافَ واحدهُم بالآخر. وما أجملَ ما قاله بولس أيضًا حين قالَ: "أنَّ القائمَ من الموتِ قد هدمَ جدارَ العداوةِ بصليبِهِ وزرعَ في الأرضِ هذا المنحى العالميَّ الٍمتطلِّع إلى إنسانيَّةٍ واحدةٍ ومصيرٍ واحدٍ لكلِّ أبنائها. أليس هذا ترجيع لكلامِ الإنجيلِ المقدَّسِ الَّذي أكَّدَ "إرادةَ اللهِ منذُ الأزلِ بجمع أبنائهِ المُتبدِّدين إلى واحدٍ"؟

لقد سقطت مع المسيح كلُّ نظرةٍ للتَّفريقِ بين الشُّعوبِ، عظمةً وقيمةً وحضورًا. وزرعَ الإنجيلُ في الدُّنيا البذورَ الطيِّبةَ لِما رُحنا نُسمِّيهِ اليومَ حقوقَ الإنسانِ؛ إذْ أنَّ هذه حقوق تنبعُ من كرامتِهِ، وكرامة الإنسانِ تنبعُ من خلقِ الله لهُ على صورتِهِ ومثالِهِ ومن افتداءِ كلِّ إنسانٍ من دونِ استثناءٍ بدمٍّ كريمٍ هو دمُ المسيح المُهرَقُ على صليبِ الفداءِ.

عيدُ الفصحِ إذن أيُّها الأخوة، هو عيدُ الفرحِ والانتصارِ الَّذي حقَّقَهُ يسوعُ على الألمِ والموتِ وعلى الشَّرِّ والخطيئةِ. ولقد صارَ في ضميرِ المؤمنين قضيَّةً ومسؤوليَّةً تُلقَى على عاتقِهم أفرادًا وجماعاتٍ. فالقيامةُ هي قوَّةُ تغيير وجه الأرض، وقد سُلِّمنا أمر تحقيقها بأيدِينا الَّتي لا قوَّةَ لها إلاَّ من قوَّةِ المسيح وانتصارِهِ. فلا نَقبَلنَّ أن تستمرَّ الأمورُ العتيقةُ على حالِها. بل نسعى كلُّنا ومع جميعِ النَّاسِ من ذَوِي الإراداتِ الطيِّبةِ إلى إضفاءِ روحِ السَّلامِ والمُصالحةِ والغفرانِ في مُحيطِنا وفي بُلدانِنا وإلى أقاصي الأرض.

إنَّ مسؤوليَّةً خاصَّةً تقعُ علينا في وطنِنا بالذَّات. فبلادُنا ما زالَت منذُ أربعين عامًا عرضةً للانقسامِ وعدمِ التَّفاهمِ والمُحاذرةِ بين أبنائها. والطوائفُ الَّتي يتألَّفُ منها شعبُنا يُتاجرُ بها حتَّى تكاد أن تنقلبَ سلبًا على أصحابِها. وإذا نظرنا من لبنان إلى واقعِنا الإقليميِّ، فإنَّنا نرى من حولِنا شرقًا يغلي وأشباحَ الفتنِ تتراقصُ فوقَ رؤوسِ أبنائهِ مهدِّدةً وحدتَهُم ومصيرَهُم بأفدح الأخطارِ. ويؤسفنا شديد الأسفِ أن تكون قوى خفيَّةٌ تبغي الشُّرورَ وتحاولُ تأليبَ المذاهبِ بعضها على بعض في طول الشَّرقِ وعرضه، فيما المذاهبُ ليست سوى طرقٍ إلى الله، ونحن متعوِّدون على مدى تاريخِنا احترام كلِّ إنسانٍ في اختيارِهِ أيِّ طريقٍ يُؤدِّي به إلى ربِّهِ. وإذا كان شرقُنا قد علَّمَ العالمَ أنَّ لا إكراهَ في الدِّينِ وأنَّ الحرِّيَّةَ هي هبةٌ من اللهِ وليست منَّة من أحدٍ، فالأحرى به ألاَّ يُديرَ أذنَيهِ لأيِّ إيحاءٍ خارجيٍّ بالفتنِ الَّتي تَبغي التَّفريقَ في صفوفِهِ وخرابَ بيوتِ أبنائه. فنُناشدُكم باسمِ الله الَّذي يُذكرُ في منطقتِنا اسمُهُ أكثرَ من أيِّ مكانٍ في الدُّنيا أنْ اتَّقُوا اللهَ جميعًا وابتعدوا عن الوقيعةِ فيما بينَكُم سواءَ في لبنانَ أمْ في بلدانِ الشَّرقِ برُمَّتِه، وتوكَّلوا على الله من أجلِ حُسنِ المصيرِ الجامعِ.

وأنتم أيُّها المسيحيُّون، فإنَّكم مدعوُّون، هنا وفي كلِّ مكانٍ، إلى الصَّفحِ كما صفحَ اللهُ عنكم بالمسيح. كما يدعُوكم التَّاريخُ في هذا الوطنِ العزيزِ لأن تكونُوا بين أخوانِكُم من كلِّ الطوائفِ أهلَ جمعٍ وتوحيدٍ بين اللُّبنانيِّين. هذا كان تراثكم في الماضي وهذا ما يبقي أساسًا لدعوتِكم ولموقعِكم في المستقبل. وكفانا عجزًا في لبنان عن النُّهوضِ بأعباءِ البلادِ وعن القيامِ حتَّى بتأليفِ حكومةٍ تَرعَى شؤونَ العبادِ وهُم باتُوا بأمسِّ الحاجةِ إلى كلِّ شيءٍ. فلا نَدَعنَّ العالمَ يتعبُ منَّا، إذْ يهتمُّ فيه كلُّ فريقٍ بصالِحِه، ونحن نكادُ نتركُ مصيرَنا للأقدارِ فيما تُرسمُ من حولِنا مصائرُ شعوبٍ بأسرِها وإلى أمدٍ طويل. وَلْيُعطنا القائمُ من الموتِ أن نؤمنَ بمواجهةِ المستحيلِ لإنقاذِ الحياة في بلادنا وتثبيتِ وطن الرِّسالةِ في دعوتِهِ وحضورِهِ، تحتَ شعارِ الشَّركةِ والمحبَّةِ الَّتي أطلقها بطريركُنا الجديدُ مار بشاره بطرس الكلِّيُّ الطوبى، الَّذي نرفع من أجل حبريَّتِه صلاةَ المؤمنين والمُحبِّين، سائلين الله أيضًا أن يُعيدَ عليكم مثلَ هذا العيدِ وأنتم بألفِ خيرٍ ووطنُكُم مُعافى والشَّرقُ متصالحٌ والدُّنيا مشمولةٌ كلُّها بسلامِ الرَّبِّ وبفيضٍ من نِعَمِهِ وبركاتِهِ. آمين.

المصدر:
وكالات

خبر عاجل