#adsense

المطران عودة: يعصى علينا تشكيل حكومة لأن كل طرف يسأل عن حصته لا عن خلاص الوطن والمواطنين

حجم الخط

ترأس متروبوليت بيروت وتوابعها للروم الأرثوذكس المطران الياس عوده، صباح اليوم، خدمة الهجمة وقداس الفصح، في كاتدرائية القديس جاورجيوس في ساحة النجمة، في حضور حشد كبير من المؤمنين.

وبعد قراءة الإنجيل المقدس، ألقى عودة عظة استهلها بالقول: "ولئن كنت نزلت إلى قبر يا من لا يموت، إلا أنك درست قوة الجحيم وقمت غالبا أيها المسيح الإله". نسمي أيقونة القيامة في تراثنا الأرثوذكسي أيقونة النزول إلى الجحيم، وفيها نعاين المخلص ببهائه السماوي وثوبه الأبيض، ممسكا آدم بيد وحواء بالأخرى رافعا إياهما من الجحيم المظلم إلى النور، إلى الحياة الأبدية. هذا هو معنى القيامة.إنه الخلاص الذي منحه الرب يسوع إلى الجنس البشري بعدما صلب ومات وقبر وقام في اليوم الثالث محطما أبواب الجحيم ومقيما معه آدم الساقط وكل ذريته".

أضاف: "بانحدار المسيح إليها تفجرت الجحيم وتحطمت أبوابها. هذا ما نسمعه في عظة الفصح للقديس يوحنا الذهبي الفم: "تمرمرت الجحيم لما صادفتك داخلها، تمرمرت لأنها قد ألغيت، تمرمرت إذ هزئ بها، تمرمرت لأنها قد أبيدت. تناولت جسدا فألفته إلها، تناولت أرضا فألفتها سماء. أين شوكتك يا موت؟ أين انتصارك يا جحيم؟". لذلك يقول القديس يوحنا "لا يخشى امرؤ الموت لأن موت المخلص قد حررنا. هو أخمد الموت لما مات". لقد قام المسيح".

وتابع: "بصليبه غلب الرب الموت. هذا أيضا ما نراه في أيقونة القيامة حيث الرب يسوع واقف على لوحي باب الجحيم وهما بشكل صليب، وتحتهما الشيطان مكبلا بسلاسل حديدية بعد أن كان ملكا على نفوس الراقدين، وقد قضى المسيح القائم عليه وعلى مملكته وأصبح "يسود على الأحياء والأموات" (رو 14: 9) و "كما في آدم يموت الجميع هكذا في المسيح سيحيا الجميع" (1 كور 15: 22). فرح القيامة هو فرح الغلبة على الخطيئة والموت، فرح الخلاص بيسوع المسيح القائم من بين الأموات، فلا موت بعد القيامة بل حياة أبدية. "فإن كنا قد متنا مع المسيح نؤمن أننا سنحيا أيضا" (رو 6: 8)".
وقال: "مع احتفالنا بالفصح وفرحنا بالقيامة، نصلي بحرارة من أجل قيامة بلدنا من هذا الوضع الصعب الذي نعيش فيه منذ مدة. طبعا لا شيء يدعو إلى التفاؤل، والصورة قاتمة، لكن الرجاء بأن الرب لن يتركنا في مهب الريح، والأمل بمستقبل أفضل، هما اللذان يساعدان اللبناني على الاستمرار. ولكن إلى متى؟ نحن نسمع آلام شعبنا وصرخاته، ونلمس قرفه من الوضع واشمئزازه، ونتألم ونتساءل لماذا نحن في قعر الهاوية؟ ولماذا لا نحاول النهوض؟".
أضاف: "نحن نعيش مرحلة مصيرية في هذا العالم العربي ونشهد تغيرات كبيرة. بركان متفجر من حولنا، بل براكين، والحمم ستصيبنا من كل جهة إن لم نحصن أنفسنا، وماذا نفعل؟ الركود الاقتصادي يفتك بما تبقى لدى ابنائنا، وماذا نفعل؟ الإدارات تفرغ شيئا فشيئا وماذا نفعل؟ عوض أن تقوم حكومة قوية تنتشل البلد مما هو فيه يعصى علينا تشكيل حكومة لأن كل طرف يهتم بما لنفسه لا بما للبلد، ويسأل عن حصته لا عن خلاص الوطن والمواطنين، ويضع الشروط عوض أن يذلل العقبات، ويمزق الوطن فيما الوطن محتاج إلى لم الشمل. نحن نشبه ذاك الهر الذي يلحس المبرد ويتلذذ بدمه، غافلا عن حقيقة أمره".
وأردف بالقول: "إلى متى؟ سؤال على كل شفة ولسان. من كان طفلا عند بداية الحرب، في أوائل السبعينات، أصبح اليوم كهلا، وبعض هؤلاء يقول سوف ينتهي العمر قبل أن نشهد تحولا في وطننا يعيدنا إلى مصاف الدول المتحضرة. حوالي الأربعين سنة مرت ولبنان ما زال يدفع ثمن "حروب الآخرين" على أرضه كما قال أحد مفكرينا. لكنه يدفع أيضا ثمن أخطاء أبنائه الذين اعتادوا على الأخذ عوض العطاء وعلى تقديم مصالحهم وتغليب شهواتهم على مصلحة الوطن. من سوء حظنا أن معظم مواطنينا وحكامنا يتسابقون على المغانم ويتناسون الواجبات. نحن بحاجة إلى إصلاحات جذرية، إصلاحات تبدأ من الأنا لتنطلق إلى العام. الشعوب من حولنا تتململ مطالبة بإصلاح الأنظمة أو تغييرها. نحن يلزمنا إصلاح النفوس أولا لكي يصطلح النظام. مشكلة لبنان في بنيه، في أنانيتهم وجشعهم وعنجهيتهم وتعلقهم بمصالحهم ولو كانت على حساب مصلحة الوطن. مشكلة لبنان في فردية أبنائه. نحن مجتمع مؤلف من أفراد يعمل كل واحد من أجل منفعة نفسه لا من مجموعة مواطنين ينتمون إلى وطن يحميهم، لهم عليه حقوق وعليهم تجاهه واجبات، ويحتل في نفوسهم المركز الأول، ولا شيء يتقدم عليه. لو قرر كل لبناني، مواطنا كان أو مسؤولا، أن يعمل من أجل الخير العام والمصلحة العامة، هل يبقى لبناننا مفتتا، منقسما على نفسه، تتقاذفه رياح المصالح وعواصف الإنتماءات؟ لو أدرك كل لبناني، مواطنا كان أو مسؤولا، أنه هو الخاسر الأول إن ابتلي وطنه بخسارة، لراجع حساباته وقوم مسيرته".

وتابع: "الوطن ليس أرضا وحجارة، الوطن شعب يعيش على أرض وتحكمه دولة تسهر على تنفيذ القوانين والأنظمة وتطبقها على جميع أبنائها بالعدل والتساوي. وهؤلاء الأبناء يعيشون في ما بينهم بالمحبة والإحترام المتبادل، يؤدون واجباتهم تجاه دولتهم ويطالبون بحقوقهم، ويحاسبون القيمين عليهم إنما بطرق حضارية تليق بهم".

واستطرد قائلا: "في لبنان طبقتان: طبقة تتعاطى السياسة وأخرى هي الشعب، وهاتان الطبقتان لا اتصال بينهما. الأولى تتصرف وتتحرك وكأن لا وجود للثانية. تعمل باستقلالية تامة وكأن الزمن ملكها، ولا تدرك بأن الزمن هو ملك الإثنين وكل ما في الكون. والطبقة الثانية تعيش ظلم الأولى وتتأثر بسوء تصرفها وتتألم بسبب تجاهل من يجب أن يكون مسؤولا عنها، وبسبب عدم احترام الطبقة الأولى لحقوقها. يؤلمني كثيرا ما أسمعه من الشعب المتألم الذي يصف المسؤولين بشتى الأوصاف. الشعب يشعر بغربة مؤلمة في وطنه، يشعر كأن هوة تفصله عمن يفترض بهم تمثيله أو الإهتمام بشؤونه. الشعب لا يثق بحكامه وكثيرا ما نسمع الناس يقولون إن طالبي المسؤولية يدعون خدمة الوطن فيما هم طامحون لخدمة مصالحهم وجيوبهم. هذا الكلام مؤلم، والتعميم غير مسموح، لكن الكلام يؤشر إلى عدم ثقة الشعب بالمسؤولين واليأس من أي إصلاح".

وأبدى أسفه لغياب الدولة وبعدها عن هموم المواطنين، ولعدم تطبيق القوانين، أو تطبيقها بانتقائية.

وقال: "كل اللبنانيين سواء لدى القانون، وهم يتمتعون بالسواء بالحقوق المدنية والسياسية، ويتحملون الفرائض والواجبات العامة دونما فرق بينهم". هذا ما تنص عليه المادة السابعة من الدستور اللبناني، ولكن هل هذا مطبق في الحياة اليومية للبنانيين؟ أما المادة الثامنة فتقول: "الحرية الشخصية مصونة وفي حمى القانون، ولا يمكن أن يقبض على أحد أو يحبس أو يوقف إلا وفاقا لأحكام القانون، ولا يمكن تحديد جرم أو تعيين عقوبة إلا بمقتضى القانون". هل هذا واقع الحال عندنا؟".
أضاف: "لقد شهدنا مؤخرا حوادث مؤلمة في سجن رومية أسبابها عديدة لكن تقصير الدولة أولها. إن إحترام الإنسان واجب، والمسجون في الدول المتحضرة شخص اقترف ذنبا يستوجب العقاب، والعقاب يكون لتهذيب النفس وتقويم الإعوجاج، لذلك من الطبيعي أن يكون السجن مكانا لائقا تحترم فيه إنسانية الإنسان مع تطبيق القوانين بشكل صارم. ويجب أن يساعد السجين على الخروج من السجن تائبا ومؤهلا للعيش في المجتمع مع أقرانه عيشة صالحة، إنما ويا للأسف يخرج السجين من سجوننا إنسانا حاقدا، ناقما، وقد يخرج حاملا معه عادات سيئة تعلمها داخل السجن المكتظ بمقترفي الآفات من كافة الأنواع، ناهيك بالمعاملة السيئة أو غير العادلة بين السجناء، وانفلات الأخلاق عند السجين والسجان والمفترض بهم فرض الأمن وتطبيق القوانين، فيما هم يطبقون ما يرتأونه من أمن وقوانين، فيسمحون بإدخال الهواتف النقالة والمخدرات والآلات الحادة كما سمعنا مؤخرا، ويتواطأون مع السجناء ضد القوانين".

وسأل: "أليس هذا تقصيرا من قبل المولجين حراسة السجن وتطبيق القوانين؟ هل وصل الفساد إلى هذا الحد؟ أوليس هذا نتيجة عدم المحاسبة؟ أين عين الدولة الساهرة؟ أين الثواب والعقاب؟ لقد كررنا على مر السنين أنه يتوجب علينا تعيين الإنسان المناسب في المكان المناسب، تعيين الموظف الكفوء ذي السيرة الحسنة والكف النظيف، ومحاسبته إذا أخطأ ومكافأته إذا أحسن. لكن المحاصصة والمحسوبية والإنتماء تأتي عندنا قبل العلم والكفاءة والأمانة. والنتيجة تقهقر وانفلات وانحطاط عوض التقدم والإزدهار".

وفي المقابل سأل: "ثم هل يجوز مقابلة التجاوزات بتجاوزات أكبر؟ إذا كان السجناء يشكون سوء المعاملة وعدم الإحترام وانتفاء أدنى أسباب الحياة الكريمة، هل يخربون السجن ويحرقون الأثاث ويعيثون في المكان خرابا؟ وهل يلاقيهم ذووهم في الخارج بحرق الإطارات وقطع الطرقات؟ فينسى طلبهم العادل وتسلط الأضواء على الخراب الذي سببوه، والذي يدفع ثمنه الوطن كله والمواطنون جميعهم، لأن مال الخزينة هو مال المواطنين ويجب أن يصرف حيث يجب، ليخدم المواطنين. لم لم نعتد حتى الآن في لبنان على المطالبة بحقوقنا بطريقة حضارية ولائقة؟ لم تقترن المطالب التي قد تكون محقة بالتخريب والفوضى؟ من واجب الدولة الإهتمام بمواطنيها وتأمين احتياجاتهم كافة. فإن كان لدى المواطنين حق على الدولة، من واجبهم التعبير عنه بطريقة لائقة، دون تخريب وتكسير وما شابه، لأنهم سوف يدفعون ثمن تخريبهم من مالهم. ولنتذكر جميعنا أن لبنان لنا جميعا، وعلينا حمايته كحدقة العين، والمحافظة عليه كأغلى ما لدينا، لأننا إن خسرناه لن نجد له بديلا".

أضاف: "هنا لا بد من التأكيد على أمر مهم جدا هو العدالة. لا يجوز احتجاز إنسان دون وجه حق. لا يجوز سجن إنسان دون محاكمة. لا يجوز أن يظلم إنسان في بلد يدعي احترام حقوق الإنسان. المجرم يجب أن يعاقب. هذا أمر لا خلاف عليه. لكن المتهم لا يسجن قبل إثبات التهمة، من هنا ضرورة محاكمة أي متهم محاكمة عادلة ثم معاقبة المذنب وإطلاق سراح البريء. إن قتل النفس أخطر من قتل الجسد لأن الإنسان المظلوم والمعذب يختزن في قلبه حقدا دفينا يفجره متى سنحت له الفرصة وتكون عواقبه وخيمة".

وشدد على ضرورة "احترام الإنسان مهما كانت جريمته عظيمة، ومساعدته على الندم والتوبة وعدم اقتراف الجرائم مجددا. هذا يكون بمساعدته على التخلص من كل حقد وشر، وبإحاطته بالمحبة التي ترافق العقاب الصارم، وبتأهيله وتعليمه وإصلاحه. لذلك يجب أن يكون السجن مكانا لائقا، نظيفا، غير مكتظ بالمحكومين، يشعر فيه السجين أنه إنسان إنما معاقب على جرم اقترفه ويستوجب العقاب. السجن يجب أن يخفض الجرائم لا أن يضاعفها".

ورأى أنه "من الضروري أيضا فصل الأحداث عن كبار السن ووضعهم في مكان يمضون فيه فترة العقوبة ويتعلمون في الوقت نفسه، أو يعالجون إن كانوا بحاجة إلى العلاج، أو يؤهلون للإندماج بالمجتمع".
وختم بالقول: "في يوم القيامة المجيد، يوم انتصار إلهنا على الشر والموت وغلبته الجحيم، لنرفع الدعاء إلى رب الأرباب كي يحمي وطننا ويحفظه مصانا من كل شر ومن كل انقسام وكي يغمر قلوبنا بنور قيامته المجيدة، ليحل فيها الفرح محل الحزن والمحبة محل الحقد والانفتاح محل الانعزال، ولنشبك الأيدي ونتعاون من أجل النهوض بلبنان، متجاوزين الأحقاد ومتعالين على المصالح ومتحررين من الأنانيات، واضعين نصب أعيننا صون وحدة وطننا والمحافظة على حريته واستقلاله، والتمسك بالشراكة الحقة بين مسيحييه ومسلميه، والمساواة الكاملة بين مواطنيه. كذلك نرفع الدعاء من أجل أن يحفظ الرب الإله المسؤولين عنا ويلهمهم القيام بكل عمل صالح، ويعضدهم في مواجهة كل خطر محدق بوطننا، كما نصلي من أجل أن يعملوا من أجل المحافظة على لبنان الرسالة والإشعاع، على لبنان الديموقراطي الذي يحترم الإنسان ويصون حريته وكرامته، ولنتطلع جميعنا نحو المستقبل ونخرج من الإنحطاط الاجتماعي والسياسي والأخلاقي الذي نرزح فيه إلى نهضة حقيقية، إلى قيامة مشرقة".

المصدر:
وكالات

خبر عاجل