#adsense

مقاربة 14 آذار للاتهامات السورية… خاطئة!

حجم الخط

لم تؤدِّ الضغوط الإعلامية والسياسية التي مارستها السلطات السورية منذ اندلاع الثورة، الى إسكات قوى محددة والى ترهيب قوى أخرى وقائيا، ومَنعها من التعبير عمّا يجري في سوريا فقط، بل أدّت الى شِبه إغلاق للحياة السياسية اللبنانية، التي وضعت بما يُشبه حالة طوارئ وظيفتها إحصاء الأنفاس على كل مَن يتجرّأ ويعلن موقفا رافضا للعنف الذي يمارس ضد الشعب السوري، حتى ولو كان المتجرّئ هو المجتمع المدني ونخَبه، التي طالما اتصفت بأنها كانت أول مَن يبادر في العالم العربي لإعلان الدعم لحقوق الإنسان وللحريات، أيّا كان النظام الذي ينتهك هذه الحريات.

هذا الإغلاق بدا واضحا منذ اللحظة الاولى لاندلاع الاحتجاجات في سوريا، حيث تمّ تسريب معلومات غير صحيحة حول تهريب أسلحة من مرفأ طرابلس، وحول ضلوع نوّاب لبنانيين في الأحداث، ووصلت الى حد الادعاء بأن غرفة العمليات التي تدير أحداث سوريا موجودة في لبنان، وقد أدّت هذه الحملات المبرمجة الى فرض ترهيب من نوع آخر، خَلّف وراءه سكوتا بقرار سياسي من المرجعيات، طال النواب ووسائل الإعلام الموجهة التي تعاطت مع الحدث السوري بانضباط مشهود، وضع هذه الوسائل في خانة مَن يتطلع الى تجَنّب "المشكل" ولو بأي ثمن.

والمفارقة أن المواكبة اللبنانية السياسية والاعلامية لما يجري في سوريا لم ترقَ إلى المستويات الدنيا من مواكبة الثورات في مصر وتونس وليبيا، ففي الحالات الثلاثة كان الإعلام اللبناني مستنفرا بحماس للتغطية والتحفيز. والمفارقة ايضا ان الإعلام اللبناني التابع لقوى 8 آذار قاد المبادرة في مساعدة هذه الثورات، وقفز فوق كل الاعتبارات المتصلة بمفهوم عدم التدخل في الشؤون الداخلية للبلدان الشقيقة، فكانت قنوات حزب الله والتيار العوني وحركة أمل وقناة الجديد، وسائل إعلام داعمة لثورات ليبيا ومصر وتونس، وكان سياسيو قِوى الثامن من آذار وقادتها في الطليعة دعما لهذه الثورات، وكان الاحتفال الشعبي في الضاحية الجنوبية بسقوط مبارك أشبَه بالمشهد الاحتفالي في ميدان التحرير. هذا في وقت كانت قوى 14 آذار بقياداتها، تختبئ تجَنّبا للاحتفال ببدء الربيع العربي، في حين أن النخَب "الـ 14 آذارية" تمايزت ورأت في ربيع مصر وتونس وليبيا ربيعا سوف يُظلل عاجلا أم آجلا العالم العربي من المحيط الى الخليج.

والواضح أن هذا الإغلاق السياسي أدّى الى قرار لدى قوى 14 آذار بالسكوت الطوعي، وترجم هذا القرار في بيانات الأمانة العامة لـ 14 آذار، وفي بيانات الكتل السياسية، وأبرزها تيار المستقبل، الذي لم يقم بأكثر من الرَد الموضعي على الاتهامات التي طاولت نوّابه، والتي وصلت الى حَد اختلاق روايات خيالية حول مشاركة نوّاب المستقبل في الأزمة السورية، وحول تواجد احدهم في مدن سورية. والواضح أيضا ان تيار المستقبل الذي بات يخشى كثيرا، وجود مخطط متعمّد لإغراقه في الأزمة السورية، بات يعمل على إيقاع المثل الشعبي "يا رَبّ السِترَه"، حيث طبّق نوّابه تكليفا من الرئيس سعد الحريري منعوا بموجبه من الرد على الاتهامات، إلا من موقع نفي الاتهام، كما أن الحريري نفسه غاب عن السمع والبصر، فلم يدلِ شخصيا بأي موقف من شأنه رد الاتهامات وتصحيح الافتراءات، وكأنه لا يزال، ومن طرف واحد، يلتزم بمفاعيل هدنة الـ "سين – سين" التي لم يخرقها، حتى بعد أن أسقطت حكومته بجهد مشترك من القيادة السورية وحزب الله.

ويبدو ان هذا السكوت الطوعي للحريري، الذي يهدف الى تجنّب إعطاء القيادة السورية وحلفائها في لبنان مادة سجالية، قد تحوّل الى مواجهة مباشرة، يبدو انه لن يكون مقبولا لدى الجهات التي تستمطر المواجهة، وهي تسعى بالتأكيد لتطوير أساليب الاستدراج الى الأزمة. وفي معطيات وصلت الى غير مرجع سياسي، ان حلفاء سوريا في لبنان سوف يتولّون، في الأيام المقبلة، تسويق المزيد من السيناريوهات الخيالية، بهدف نقل الأزمة من الداخل السوري الى الواقع اللبناني، عبر ربط الاحتجاجات على النظام بمؤامرة صُنّعت في لبنان.

وأمام هذه النوايا المتصاعدة بتصدير الأزمة السورية الى لبنان، لن تصبح الخيارات مفتوحة امام الطرف المستهدف، أي قوى 14 آذار والرئيس الحريري تحديدا، الذي سيكون أمام استحقاق الدفاع عن نفسه وعن فريقه في وجه الاتهام من موقع المتهم، او الإعلان عن دَفن الهدنة المقنعة التي حكمت علاقته بالقيادة السورية واقعيا، منذ إسقاط حكومته والى اليوم.

المصدر:
صحيفة الجمهورية

خبر عاجل