يوحي الحراك الذي يقوم به الرئيس المكلّف نجيب ميقاتي باتجاه الرئاستين الأولى والثانية، وكأنّ الاستحقاق الحكومي قد بات في مراحله النهائية، سواء لجهة الحسم وتجاوز العقد، وفي مقدّمها عقدة وزارة الداخلية، أو لجهة تكريس واقع المراوحة والتأزّم مع ما يحمله هذا الواقع من خيارات، من بينها الاعتذار عن المهمة "المُستعصية".
وعلى رغم أن ثلاثة أشهر قد مرّت على تكليف "الأكثريين الجُدد" للرئيس ميقاتي، فإن هؤلاء يبشّرون بقرب انفراج الأزمة الحكومية، ويتمسّكون في الوقت ذاته بشروطهم غير المبرّرة، ويوجّهون الاتهامات إلى أطراف أخرى بعرقلة تشكيل الحكومة وتعطيل المؤسسات الرسمية. وبرأي أوساط ديبلوماسية مواكبة للمشهد الداخلي، فإن الحركة السياسية لا تزال منعزلة عن الإطار الإقليمي، بحيث لا يستشعر أي من الأطراف المحلية خطورة التحديات المحدقة بالساحة اللبنانية، في ظلّ الفراغ السياسي والتطورات الأمنية المتسارعة في سوريا، وما زالت عملية "الابتزاز السياسي" تدور بين القوى المتحالفة ضمن الأكثرية لتقاسم المقاعد الوزارية، والحصول على أكبر قدر ممكن من النفوذ السياسي والخدماتي. وكشفت هذه الأوساط أن عدة هواجس بدأت تسجّل لدى أكثر من مرجع سيادي داخلي وإقليمي حول مدى استمرار استقلالية الوضع المحلي عن الأحداث في سوريا. مشيرة إلى أن الاتهام السوري لتيار "المستقبل" بالتورّط في حركة "التمرّد" على أراضيها، ليس سوى المقدّمة لما يمكن أن تؤول إليه العلاقات السورية مع قوى 14 آذار من مَساوىء أولا، والعلاقات ما بين فريقي 8 و 14 آذار من تدهور ثانيا. وبالتالي فإن التوتر السياسي الحالي مرشح لأن يتطوّر، وبشكل دراماتيكي إلى مواجهة، خصوصا في ضوء الانقسام الخطير بين شارعَي الطرفين، وجنوح قوى في الأكثرية الجديدة إلى استغلال الاتهام السياسي السوري لـ "المستقبل" لتصفية حسابات مع غير فريق سياسي. كما ترتدي تصفية الحسابات هذه أكثر من طابع أمني وغير أمني، بدءا باستحضار مشهد مرحلة ما قبل السابع من أيار "الشهير"، أو عبر استخدام هذه الورقة في التصويب على مواقع وطنية كرئاسة الجمهورية، من خلال تصويرها بـ "العقدة" التي تحول دون سلوك الأزمة الحكومية طريق الحَل.
وبينما تترقّب الساحة الداخلية نتائج الحملة العسكرية التي بدأت في سوريا لإنهاء الأحداث فيها، فإن "العيدية" الموعودة للبنانيين قد تأجّلت في ظل المواقف السياسية المعلنة من قبل رئيس تكتّل "التغيير والإصلاح" النائب ميشال عون بالأمس، وتبدّدت معها مناخات التفاؤل بتشكيل حكومة قادرة على مواجهة الأخطار المتعدّدة وتحمّل المسؤولية كاملة على الصعيد الأمني، خصوصا لدَرء العواصف الإقليمية عن الداخل اللبناني. وانطلاقا من هذه المعطيات، فإن الخيارات بدأت تضيق أمام الأكثريين الذين باتوا أمام مأزق التعثّر الفاضح في الاتفاق على مسودّة فريق حكومي تحظى بالحدّ الأدنى من التأييد في صفوفهم، وذلك بصرف النظر عن الجهود المكثّفة التي تبذلها قيادة "حزب الله" للدفع نحو تسريع عَجلة التسوية الحكومية، والتي ما زالت حتى الساعة تصطدم بجدار الرفض العالي للعماد عون الذي أحبط في الساعات الماضية صيغة تمّ تداولها في عطلة عيد الفصح المجيد، ما أدّى إلى عودة الضبابية إلى الاستحقاق الحكومي الذي بات يتّبع إيقاع تطوّرات ملف التوتر السوري المتسارعة.