أكد نائب رئيس الهيئة التنفيذية في "القوات اللبنانية" النائب جورج عدوان ان البطريرك الماروني الكاردينال مار نصرالله بطرس صفير بنى خطة انتزاع الاستقلال الثاني حجراً حجراً ومدماكاً مدماكاً، بناها على ثوابت واضحة وعلى خطاب وطني يرى فيه كل لبناني انه المعني الاول وراهن رهاناً ثابتةً وأكيداً على الفرد اللبناني بغض النظر عن انتمائه الطائفي والسياسي.
وفي كلمة له خلال حفل توقيع الجزء الثالث لسيرة صفير الذي اعده الصحافي انطوان سعد تحت عنوان: "البطريرك السادس والسبعون مار نصرالله بطرس صفير1998 – 2005" مساء الثلثاء 26 نيسان 2011 في جامعة الروح القدس في الكسليك، شدد عدوان ان غبطته ادرك منذ البدء ان قيامة لبنان واستقلاله وخروجه من فترة الوصاية لن تتحقق إلا بلقاء مسلميه ومسيحييه، وبدقة وصبر طويل بدأ العمل لتحقيق ذلك.
واشار عدوان ان البطريرك صفير لم يزر سوريا لانه أدرك أن العلاقات بين الدول تفرضها أسس وتوازنات ومعادلات محددة وان ليس باستطاعة شخص أن يعدلها لمجرد شخصه وان نظرية الشخص الذي يستطيع تغيير معادلات دولية بمبادرات شخصية هي نظرية غير قائمة وغير صحيحة في مصالح وعلاقات الدول فالعلاقات السليمة بين الدول تقوم على معايير محددة وليس على العلاقات مع الأشخاص.
ولفت عدوان الى ان غبطته اتخذ مواقف صارمة وشاجبة بوجه سلاح "حزب الله" عندما أصبح هذا السلاح عقبة في وجه قيام الدولة وأداة ضاغطة على إرادة اللبنانيين.
النص الكامل لكلمة النائب عدوان:
غبطة البطريرك،
كان لي شرف معرفتك عن قرب خلال زيارات كنت اقوم بها كل نهار أحد إلى بكركي لسنوات عدة، فما عرفت فيك الا حامل هموم الوطن وحامل هموم الناس.
وعرف اللبنانيون والعالم أجمع فيك:
الإنسان الذي يظهر ما يضمر،
ويعمل ما يقول،
لا يمالئ في حق،
ولا يكابر في باطل،
لا يلين في موضع شدّة،
ولا يشتد في موضع ليّن.
لقد عرفت كيف تنقذ لبنان في أصعب الظروف، ويوماً بعد يوم يدرك اللبنانيون كل اللبنانيين ولو بعد مرور سنوات على الحوداث أن خطواتك كانت مدروسة خطوة خطوة، ولقاءاتك في لبنان والخارج مقررة توقيتاً ومضموناً، وعظاتك مكتوبة بتأنٍ حرفاً حرفاً، وبيانات السادة المطارنة ممحصة تفصيلاً تفصيلاً.
عرف اللبنانيون والعالم اجمع فيك:
صانع الاستقلال الثاني.
لقد كان بعضهم يتصور أن مواقف غبطة البطريرك كانت آنية أو ردات فعل على حوادث معينة، أو أشخاص محددين حتى ذهب بعضهم للترويج أنها كانت بناء لتمنيات البعض.
فأثبتت الأيام أنها اعتمدت مساراً هادفاً وخطةً مبرمجةً لا تكلّ ولا تحيد، تبطئ حيناً وتسرع أحياناً لكنها تدرك الهدف دوماً.
لقد بنى غبطته خطة انتزاع الاستقلال الثاني حجراً حجراً ومدماكاً مدماكاً،
بناها على ثوابت واضحة وعلى خطاب وطني يرى فيه كل لبناني انه المعني الاول وراهن رهاناً ثابتةً وأكيداً على الفرد اللبناني بغض النظر عن انتمائه الطائفي والسياسي،
بناها على قناعة راسخة بأنه سيأتي يوم ينتفض فيه الناس لكرامتهم وحريتهم وكان لك وللبنان ما أردت، فكنت صانع الاستقلال الثاني.
لقد امتزج أسلوب غبطته بالمرونة حيناً والصلابة أحياناً وجمع بين المواقف المبدئية والبراغماتية الغير مساومة على الثوابت ومن أهمها:
أولاً: إن لقاء المسلمين والمسيحيين شرط أساسي لتحقيق الاستقلال:
لقد أدرك غبطته منذ البدء ان قيامة لبنان واستقلاله وخروجه من فترة الوصاية لن يتحقق إلا بلقاء مسلميه ومسيحييه، فبدقة وصبر طويل بدأ العمل لتحقيق ذلك.
انتظر خروج إسرائيل سنة 2000 ليطالب بالخروج السوري، وكان بيان المطارنة في أيلول 2000 بمثابة الشرارة الأولى أو الإشارة الأولى لبدء العد العكسي.
وهو القائل:
"فالاستقلال ينبع من إرادة ذاتية ومن الارادة الوطنية ولا يؤخذ من هنا أو من هناك ولا يستجدى".
وبارك غبطته بعد ذلك قيام لقاء قرنة شهوان في أيار 2001 الذي شكل انطلاقة مدّ اليد من قبل المسيحيين للشريك في الوطن المسلم لصناعة الاستقلال.
وصنع بعد ذلك مصالحة الجبل التاريخية مع الأستاذ وليد جنبلاط في آب 2001. فأسست هذه المصالحة مرحلة جديدة بين الموحدين والمسيحيين.
وصرح غبطته أثناء زيارته للجبل قائلاً:
"إن الأيام أثبتت أن الموحدين والمسيحيين يعيشون معاً في ظل عيش مشترك، طوينا صفحة الماضي وفتحنا صفحة جديدة هي صفحة التعاون والتكاتف والتضامن".
وأجابه الأستاذ وليد جنبلاط:
" كم هذا الحدث تاريخي بابعاده، كم جرأتكم ورويتكم ثابتة وبعيدة، ولكم صبركم وتحملكم، أثمر وأنتج من أجل وحدة الجبل ووحدة لبنان، معكم نحمي الجبل، نحمي لبنان، ونحمي العيش المشترك في كل لبنان.
وقد أسست هذه المصالحة لكل ما عشناه في انتفاضة الاستقلال على الصعيد الوطني، وكل ما نعيشه اليوم من ألفة في الجبل.
ثم جاءت معارضة غبطته للتمديد في آب 2004.
حتى كان الانفجار الكبير باغتيال الرئيس رفيق الحريري، فكان إرسال المطران مطر للمشاركة في اجتماع إطلاق الانتفاضة على الوضع وكانت انتفاضة الاستقلال التي حققت الاستقلال الثاني.
فلولا تضامن المسيحيين والمسلمين لما تحقق الاستقلال الثاني،
ولما أصبح المسلم اللبناني يفاخر بـ " لبنان أولا" " وبنهائية الكيان اللبناني شعارات حملها المسيحيون وحدهم منذ فجر الاستقلال الأول،
ولما أصبح المسيحيون يفاخرون بانتماء "لبنان العربي" ويعتبرونه مكملاً لنهائية الكيان اللبناني ولا يتعارض معه إطلاقاً شعاراً كان حمله المسلمون وحدهم منذ الاستقلال الأول.
ثانياً: السيادة والعلاقات الدولية:
لقد أدرك غبطته بخبرته وتجربته وادراكه ان العلاقات مع الدول ترعاها مصالحها وليس ما تدعيه من مبادئ، وان المصلحة الوطنية يقررها اللبنانيون ويصنعها اللبنانيون وان التوجه الى العلاقات مع الدول لا يقوم إلا إذا كان اللبنانيون محصنين فيما بينهم، وخير دليل على ان الدول تتبع مصالحها، عدم استقبال أي مسؤول رسمي رفيع لغبطته عندما توجه الى الولايات المتحدة بين 13 شباط و 25 شباط 2001 بعد أشهر من صدور بيان المطارنة الشهير، لكن ذلك لم يمنع احتشاد اللبنانيين حوله.
وقد بادرهم غبطته بالتوجه إليهم قائلاً :
" إن من حقنا ان نشعر باننا مسؤولون عن عملنا وعن إدارة شؤوننا الداخلية بأنفسنا وكذلك من حقنا ان نشعر باننا مستقلون وأصحاب سيادة في وطننا واننا نتمتع بحرية قرارنا الوطني من دون ان يكون ثمة من عليه علينا".
كما أضاف في لقاء آخر معهم:
"إننا نأمل أن نرى لبنان محترماً من العائلة الدولية، حراً أن يحدد مصيره ومستقبله مستقلاً عن كل القوى الموجودة على أرضه، لبنان القادر على ترسيخ ديمقراطية القائمة على العيش المشترك واحترام الحريات والحوار بين الثقافات والأديان".
وعلقت شخصية بارزة على عدم استقبال غبطته من قبل المسؤولين الرسمين بالقول:
"يخافون منه لأنه يقول للناس حقائق لا يريدون سماعها فلا إدارة تريد سماع الخطة التي يسير فيها، فالبطريرك أعزل ينادي بالمحبة والتسامح والعدالة والحقيقة لذلك هو يخيف لانهم ليسوا مستعدين لسماع صوت الحقيقة.
نعم لقد رفض المسؤولون استقباله يوم كان بعض اللبنانيين يتهموا بيان المطارنة في أيلول 2000 بأنه وضع خدمةً لمصالح أميركا وإسرائيل، فإذا بالمسؤولين في الولايات المتحدة يعتبرون أن مصلحتهم كانت في دعم سلطة الوصاية.
واليوم وبعد مرور كل هذه السنوات يتبين أن بيان المطارنة في أيلول 2000 ومواقف غبطته لم يكن ليخدم إلا مصالح لبنان واستقلاله وسيادته، وليظهر أن بعض المواقف التي لا تجد جواباً منطقياً إلا بإطلاق مواقف التكفير والتخوين لا تخدم بشيء المصلحة الوطنية والعيش المشترك، ولعل الوقت قد حان ليدرك الجميع أن أسس الحوار تقوم على الاستماع إلى الرأي الأخر وماذا يقول وكيف يفكر كما تقوم بان لا نفرض عليه تفكيراً نمطياً.
ثالثاً: العلاقــة مع سـوريـــــــــا:
لم يكن لغبطته موقف ايديولوجي معادي من سوريا، ففي تصريح لجريدة "المستقبل" 6 كانون الثاني 2005 وما أشبه الأمس باليوم، صرح غبطته قائلاً:
"نحن نهتم بسوريا واستقرارها فهي جارتنا وعندما يكون جارك بخير تكون بخير، لكن بالمقابل يجب ان تباح لنا فرصة استرداد حقوقنا بحيث نتمكن من إدارة شؤوننا بذاتنا فنأتي نحن برؤسائنا ووزرائنا ونوابنا وقضاتنا وحجابنا".
لقد اعتبر غبطته ان العلاقة بين سوريا ولبنان يجب ان تخضع لقواعد العلاقات بين جارتين وبين دولتين مستقلتين.
وهو القائل:
"الاستقلال ينبع من إرادة ذاتية ومن ارادة وطنية ولا يؤخذ من هنا ومن هناك ويستجدى".
لكنه بالمقابل لم يزر سوريا: لانه أدرك أن العلاقات بين الدول تفرضها أسس وتوازنات ومعادلات محددة وان ليس باستطاعة شخص أن يعدلها لمجرد شخصه وان نظرية الشخص الذي يستطيع تغيير معادلات دولية بمبادرات شخصية هي نظرية غير قائمة وغير صحيحة في مصالح وعلاقات الدول فالعلاقات السليمة بين الدول تقوم على معايير محددة وليس على العلاقات مع الأشخاص.
رابعاً: العلاقة مع حزب الله وسلاح حزب الله:
في مؤتمر صحفي لغبطته في باريس 1999 صرح عن حزب الله قائلاً:
"إنهم لبنانيون يحاولون تحرير بلدهم وهذا موضوع لا غبار عليه".
ودافع غبطته عن سلاح "حزب الله" بعد حوادث 11 أيلول عندما صبغته الولايات المتحدة بارهابي وكان له مواقف تندرج في خانة التفهم والتضامن مع القوى التي كانت واشنطن تستهدفها.
ولكن غبطته اتخذ مواقف صارمة وشاجبة بوجه سلاح "حزب الله" عندما أصبح هذا السلاح عقبة في وجه قيام الدولة وأداة ضاغطة على إرادة اللبنانيين.
وفيما بعد رأى في وجود سلاح مع فريق من اللبنانيين مؤثراً سلبياً على الأفرقاء الآخرين وعلى حرية القرار فانتفضى بوجه السلاح وأوقف الحوار مع "حزب الله" عندما أدرك أن هيئة الحوار الوطني برئاسة رئيس الجمهورية أمست مضيعة للوقت بعد انقضاء سنوات دون أن توضع خطةً واضحة لاستيعاب السلاح داخل الدولة وبما يضمن أفضل السبل للدفاع عن لبنان.
خامساً: في التقيد بالدستور واتفاق الطائف:
لم يترك غبطته مناسبة إلا وشدد على قيام الدولة وبناء المؤسسات ومحاربة الفساد والمحسوبات والتشبث بالقوانين والدستور فعارض أكثر من مرة تعديل الدستور مع الرئيس لحود ومع التمديد للرئيس لحود ومع العماد سليمان وعارض انتخاب الرئيس بنصاب نصف زائد واحد.
غبطة البطريرك،
لقد نجحت في تحقيق الاستقلال الثاني لكن الرهان يبقى بان نعرف كيف نحافظ عليه، ولا اخفي عليك إن قلقا عميقا يساور نفوسنا:
فهل أدرك جميع المسؤولين أن القرار والمصلحة الوطنية يقررها اللبنانيون وحدهم؟:
إن الشكوك تساورنا في ذلك
طالما ما زال بعضهم يراهن وينتظر لأشهر مبادرات خارجية لحلّ مشكلاتنا الداخلية اللبنانية وأخر الأمثلة على ذلك انتظار مبادرة الـ س – س وغيرها،
وطالما يحاول بعضهم إقحامنا في سياسة المحاور فيتحول لبنان إلى علبة بريد أو ساحةً بدل أن يبقى وطناً نهائياً متكاملاً مع محيطه العربي،
وطالما ما زال بعضهم يذهب إلى الجارة السورية لإقحامها في تشكيل الحكومة …..
وطالما….. وطالما….. وطالما…..
غبطة البطريرك،
لقد نجحت في إرساء قواعد العيش المشترك فهل سيسمح السلاح الموجود بيد فريق من اللبنانيين والسلاح الموجود بأيد غير اللبنانيين على الأراضي اللبنانية بإفساح المجال أمام التحاور في جميع قضايانا الوطنية والداخلية بعيداً عن التهويل والتهوين والتخويف.
غبطة البطريرك،
نحن معكم آمنا ونؤمن أن تلاقي اللبنانيين بعيداً عن أي إكراه أو تدخل وقبولهم بحق الاختلاف يحافظ على العيش المشترك سمة لبنان وطن الرسالة وان قيام الدولة وحده يشكل الضمانة الأكيدة لحفظ استقرار لبنان وجميع اللبنانيين والمسيحيين خاصة.
غبطة البطريرك،
وقفت مع المظلوم بوجه الظالم،
ومع المسجون والمعتقل بوجه السجّان،
ومع المبعد بوجه من أبعده،
ومع الحق بوجه الباطل،
ومع الخلقي بوجه الفاسد،
ومع الضعيف بوجه القوي،
ومع الشباب بوجه قامعيهم،
وقفت حين لم يجرؤ أحد على الوقوف،
وتكلمت عندما صمت كل من كان عليه ان يتكلم،
وقفت وسط الظلمة وحملت شعلة أنارت الوطن،
جاهرت بالسيادة عندما كانت أكثرية الدول حتى لا أقول جميعها تبارك الوصاية سعياً وراء مصالحها،
طالبت بالاستقلال يوم تخلى من كان عليه الدفاع عن الاستقلال،
استقلت بإرادتك لأنك رأيت في ذلك مصلحة للكنيسة وللبنان، وتكريساً لمبدأ التداول الديمقراطي الهادئ للسلطة،
صنعت الاستقلال الثاني لوطن الرسالة وزودت اللبنانيين بأرث كبير،
واليوم الوطن والناس أمام رهان الحفاظ على الاستقلال والعيش المشترك لأجيال وأجيال.
غبطة البطريرك،
كن مطمئناً أنت اليوم وكل يوم صرخة مدوية في ضمير لبنان يا ضمير لبنان.