#adsense

بين مصر وسوريا: مسارات تاريخية ولحظات تأسيسية (الجزء الاول- بقلم ميشال أنيس سماحة)

حجم الخط

تاريخيا :

رغم أن كل من دمشق والقاهرة شكلتا عبر التاريخ (القديم والحديث) مناطق حضرية بامتياز في هذا الإقليم من العالم، إلا أن عندما نتكلم عن الدول العربية الحديثة (ما بعد السلطنة العثمانية) لا بد أن نسلط الضوء على الفروقات الكبيرة في البناء الدولتي لكل بلد من بلاد الإقليم ولمسار تشكله التاريخي.

مصر:

كانت مصر من أوائل المناطق في العالم التي أفرزت تنظيما ومؤسسات ترقى لأن يطلق عليها إسم دولة (ارضا وشعبا)، وذلك على نفس الرقعة الجغرافية تقريبا المتعارف عليها اليوم، وبالتالي فإن تشكل الدولة الأم في مصر الحديثة (Etat-Nation) تعود جذوره إلى العام 3100 قبل الميلاد وذلك عند توحيد مملكتي الشمال والجنوب المصريتين.

استقبلت مصر الدعوة المسيحية وشكلت لفترة طويلة مركز ثقل مسيحي إلى جانب القدس وبيزنطيا وروما (الكنيسة القبطية هي كنيسة مصرية ووطنية بامتياز، ومصر جزء لا يتجزء من هوية هذه الكنيسة- فهي بذلك تشبه علاقة الكنيسة المارونية بلبنان)، كما استقبلت مصر الدعوة الإسلامية وهي لا تزال حتى يومنا هذا تشكل عبر الأزهر قبلة الإسلام الرسمي كما وثقله المعارض المتمثل بالإخوان المسلمين. أضف إلى ذلك أن مصر كانت من أوائل الدول التي خرجت من تحت عباءة السلطنة العثمانية، وشكلت مع محمد علي أولى التجارب الجدية لبناء دولة حديثة. تجربة لم يكتب لها النجاح، رغم أنها مهدت لقيام دولة مصر الحديثة.

أيضا وأيضا، كان لمصر أقدم برلمان في العالمين العربي والإسلامي (1866) وأقدم ملكية دستورية ووعاء الحداثة والنهضة العربيتين، ومن أولى الجمهوريات (إذا ما وضعنا جانبا لبنان وسوريا، اللتين تحولتا الى جمهوريتين مع الأنتداب)، ومطلقة الفكر العربي الوحدوي (رغم أن سعاده وميشال عفلق كانا من السباقين نظريا) على نطاق واسع مع عبد الناصر وبلد التأميم الأول وبلد السد العالي، أولى مشاريع البنى التحتية العربية الجدية والأستراتيجية، بعد مشروع قناة السويس، الذي كان للغرب دور في تنفيذه.

إذا كان وصول محمد علي على رأس السلطة في مصر عام 1805 شكل إنطلاقة جديدة لمشروع وطني، فإن بدايات الحركة الوطنية المصرية الحديثة بدأت عام 1879 مع أحمد عرابي. تجربة انتهت بجعل مصر محمية إنكليزية (protectorat)، لتعود الحركة القومية الوطنية المصرية بقوة مع حزب "الوفد" وتطلق مع سعد زغلول الثورة المصرية التي أعطت في خواتيمها الإستقلال للبلاد عام 1922 ونظام برلماني مع دستور للبلاد عام 1923، فكانت الملكية الدستورية.

قوة الحركات النهضاوية والتحديثية في مصر والشعور القومي، لم يقفا عند هذا الحد، فكانت أن استلم الجيش السلطة (المؤسسة الأكثر تنظيما وتطورا وتشكل عبر التاريخ الحديث العمق الدولتي االمصري (L’Etat Profond) عبر ما عرف بثورة 1952 وأعلنت الجمهورية عام 1953). هذه النزعة الإستقلالية الوطنية كان لا بد أن تتصدى للنفوذ الغربي ولإعادة وضع يدها على مقدرات البلاد وإطلاق التنمية وتحمل مسؤولياتها القومية العربية والدفاع عن مجالها الجيوسياسي الذي كان تلقى ضربة مع إنشاء إسرائيل (التي قطعت لها الطريق الى الشرق) فكانت الحقبة الناصرية رغم كل أخطائها تعبر عن هذا التوجه، بالرغم من أن المسألة الديمقراطية والحياة الحزبية تراجعتا نسبيا عما كانتا عليه قبل 1952 (وهذه مفارقة الجمهوريات العربية مع استقلالها من المستعمر، ويجب التعمق في درسها).

من خلال هذا السرد التاريخي المختصر، من الواضح اننا أمام نموذج دولتي متقدم مقارنة بالنماذج العربية الأخرى. فمنذ حملة نابوليون واحتكاك مصر من جديد مع العالم الخارجي، نجد أن المسار التاريخي التصاعدي لمصر باتجاه البناء الدولتي الحديث لم يقف يوما وتوج عام 1952 من خلال "الوعد الجمهوري" (Promesse Républicaine) الذي لم تقف تداعياته عند الحدود المصرية. إلا أن، ورغم انجازات "ثورة يوليو" في ما يخص القضية القومية وإطلاق عجلة التنمية، لم تستطع الجمهورية الجديدة الوفاء بوعودها فيما يخص المواطنة والحريات والديمقراطية وتقاسم الثروات. لذا فثورة مصر 2011 تأتي في هذا السياق التاريخي، "جمهورية" الطابع و"ديمقراطية" المحتوى، مكملة لما تخلفت عنه "ثورة يوليو"، التي أغرقها الصراع العربي الإسرائيلي بتناقضات وأعباء أجهضت التطور الديمقراطي.

بالطبع ككل مجتمع، مصر كانت مسرحا لصراع على السلطة، إلا أن وجود دولة ومجتمع متماسك كانا يجعلان دائما انتقال السلطة عملية غير عنيفة نسبيا حتى في ظل ظروف ثورية كـ"ثورة يوليو" و"ثورة ميدان التحرير" (هنا أشدد على النسبية في كلامي).

ماذا عن سوريا؟

في ما يخص تاريخ سوريا وجغرافيتها، هناك إشكاليات لا يعرفها النموذج المصري. فإذا أخذناها كما هي الآن، نجدها دولة سايكس- بيكو ، وإذا عدنا بالتاريخ، سوريا كانت جزءا من بلاد الشام الأوسع. ورغم التاريخ الحضاري القديم في هذا الجزء من بلاد الشام، خاصة الكنعاني والسرياني والمسيحي(رمزية القديس بولس، احد ركائز الكنيسة) وغيرهم، يبقى الثقل التاريخي الرمزي لسوريا قائما على دولة الأمويين بشكل كبير(كرمزية عربية أكثر منها اسلامية). فبين إيران والعراق (نسبيا) ومصر وسوريا، وحدها سوريا لا يمكنها العودة كثيرا إلى ما قبل الأمويين كلحظة تأسيسية (Mythe Fondateur) لكتابة تاريخ دولتها الحديثة، رغم احتوائها على أقدم المناطق الحضرية في العالم.

لذلك، نجد المكونات العربية في الوعي الجماعي وفي البناء الدولتي يبدأ مع الأمويين، على عكس مصر وإيران اللتين ولأسباب كثيرة لا يمكن تجاهل تاريخهم الحضاري القديم (الفارسي والفرعوني)، فيبقى الشعب المصري أحفاد الفراعنة ويبقى وادي النيل والحقبة الفرعونية يشكلان اللحظة التأسيسية للأمة المصرية.


كما أنه تاريخيا، شكلت بلاد الشام موزاييك من الحضارات والإثنيات والأعراق والأديان، من العراق وصولا إلى القدس (جميع غزاة وامبراطوريات الشرق والغرب التاريخيين مروا بسوريا). فطرق التجارة والحرير والمسألة الشرقية بكل أبعادها ورمزياتها والقدس والديانات الثلاث، كما وتقسيماتها الإجتماعية المدنية وعالم الباديَة، وموقعها الجغرافي ما بين اسيا الوسطى والفرس من جهة ومقربتها من أوروبا وبلاد الإغريق، وثقل البادية في تكوينها، وموروثات الحضارات القديمة (الكلدانية، الأشورية، الكنعانية، الرومانية، الإغريقية،……). كل ذلك جعل من بلاد الشام وسوريا اليوم أكثر تنوعا وغنى. هذه الحالة لم تسمح بتشكل تاريخي لدولة مركزية قوية تكون حجر الأساس لدولة-أم، لا على صعيد بلاد الشام ولا حتى على صعيد الدولة السورية الحالية.

كما أن قربها من السلطنة العثمانية، لم يسمح لها بلعب دور ريادي على أرضها في إنطلاقة النهضة العربية، فكانت اخر دولة تتخلص من السلطنة العثمانية، كما وأنها لم تعرف تجربة مثيلة لتجربة محمد علي وليس لديها تاريخ وتقاليد برلمانية قديمة كما هي الحال مع التجربة المصرية.

رغم أن لمصر امتداداتها الإفريقية، وحقائق جيوسياسية بالقارة السمراء ربطا بالنيل ومنابعه، إلا أن محيطها هو عربي إسلاميَ بغالبيته، مع الوجود القبطي التاريخي وثقل لعالم البادية في السودان وليبيا من حولها. أما في سوريا، فالمحيط الجيوسياسي هو محيط مضطرب ومفتت وموازينه دقيقة وحسَاسة: العراق بقبلتيه، السنيَة (بغداد عاصمة العباسيين) والشيعية (النجف وكربلاء) وما تحملهما من رمزيات تاريخية.

وهنا لبنان وفلسطين والمسألة الشرقية والتنوع الديني. وها هي المسألة القومية إلى جانب الأكراد والأتراك، وها هنا ثقل البادية العربية وعشائرها. وها هنا جبل الدروز والعلويين والإسماعليين وغيرهم مما يمثلون من تنوع وتعددية غير موجودة على هذا النحو في مصر.

اذا، ورغم أن سوريا الحالية وبلاد الشام عامة كانت أرضا لأقدم الحضارات، إلا أنها بتكوينها الحالي لم تكن موجودة ككيان سياسي (ارضا وشعبا) موحد عبر التاريخ. فتاريخيا تعاقبت عليها حضارات كثيرة وتعرضت لاجتياحات عدة. لعبت دورا هاما في انطلاق الكنيسة المسيحية مع بولس الرسول وكذلك مع الفتح الإسلامي والخلافة الأموية.

دورها المركزي في بلاد الشام ورمزية عاصمتها الأموية دمشق، جعلوا منها مدينة الثورة العربية بامتياز عام 1918 مع الأمير فيصل. إلا أن المشروع الوحدوي للأمير فيصل واجه لعبة ومخططات الدول الكبرى التي ورثت السلطنة العثمانية. فكانت معركة ميسلون صفارة بدء تقسيم المنطقة حسب اتفاقية سايكس-بيكو وأوجدت سوريا التي نعرفها اليوم على خريطة العالم.

كان لتقسيم سوريا الطبيعية وفرض الانتداب عليها تداعيات سلبية، على عكس لبنان، الذي كان جزءا كبيرا من أبنائه فرحا بالتقسيمات الجديدة.

تقطيع أوصال سوريا والحقائق الجيوسياسية الجديدة وتنوع تركيبتها السكانية والاجتماعية جعل منها كيانا هشا داخليا وفي علاقة مضطربة مع محيطه منذ ذلك الحين. فالنظام "الجمهوري" السوري جاءت به فرنسا لا تلبية لمطلب داخلي، بل على العكس، ات النظام الجمهوري على أنقاض المملكة السورية ذات الشرعية الشعبية. إذا منذ بدء تأسيس الدولة السورية الحديثة وجمهوريتها، كانت هناك أعطاب وإشكاليات بنيوية عميقة.

الشعب السوري انتفض على الفرنسيين من خلال ثورة جبل الدروز، وظل على اشتباك معهم إلى أن أخذ استقلاله الفعلي عام 1946، وانتخب شكري القوتلي أول رئيس فعلي استقلالي له.

هذا الكيان المبتكر بالنسبة للسوريين والتشوه الذي أصاب الوعي القومي زاد من حدته تقسيم فلسطين عام 1948 وتدفق المهاجرين. في هذه المرحلة التاريخية كانت تعصف بسوريا وبلبنان خاصة والشرق الأوسط العربي عامة الرؤى والتيارات الفكرية القومية الوحدوية (من الفكر السوري القومي، للقومي العربي الى القومي البعثي).

كل ذلك جعل من سوريا نقطة استراتيجية خطرة: فلبنان على خاصرتها، كما وفلسطين المحتلة، وإلى الوراء ها هما العراق والأردن وها هما تركيا وإيران. فبين الصراع العربي – الإسرائيلي من جهة والحرب الباردة من جهة أخرى إضافة إلى إسرائيل وبترول المنطقة وممراته، كان الثقل الأكبر لهذا الوضع الجيوسياسي يقع على هذا الكيان السوري الحديث، والذي هو في طور بناء دولته ما بعد الاستقلال.

غياب التشكل الكياني التاريخي والمؤسساتي الدولتي لسوريا جعل منها بلدا مضطربا ينتقل من إنقلاب إلى إنقلاب ومن محاولة إلى أخرى لإيجاد سلطة تتولى بناء الدولة الحديثة وفرض الأستقرار. فخلال فترة 1949- 1970 شهدت سوريا ستة إنقلابات ومحاولتين فاشلتين للتوحيد، واحدة مع مصر الناصرية وأخرى لم تبصر النور مع العراق، هذا من دون أن ننسى ثورة لبنان عام 1958 وخسارة حرب 1967 واحتلال الجولان.

منذ الإستقلال وحتى وصول الاسد الأب إلى السلطة، تميزت هذه الفترة بطغيان التوجه القومي الوحدوي على الجزء الأكبر من الحركات السياسية في سوريا وعلى الصراعات فيما بينها. صراعات حول التوجه القومي والاتجاه الذي يجب أن تأخذه عملية البناء الدولتي، وكثيرا من هذه التوجهات كانت مشدودة الى حنين الماضي. هذا الصراع الداخلي الشرس على السلطة قائم على اضطراب في الرؤية وكنتيجة للخلل التاريخي الذي تحدثنا عنه، لم يسمح بتوفير حياة ديمقراطية وتقاليد برلمانية عريقة، فكان حل البرلمانات والإنقلابات وحال الطوارئ هي السائدة.

لم نقدم على هذا السرد التاريخي المختصر لإبراز الإختلافات فقط، ولا لنثبت بأن سوريا اليوم هي دولة حديثة على طريق التشكل لا كمثيلتها مصر، الدولة المشكلة، ذات البنية المؤسساتية والمجتمعية، غير المهددة بوجودها، وإنما أيضا لفهم الحاضر واستشراف المستقبل على ضوء اختلاف المسارات التاريخية واللحظة التأسيسية لكل بلد.

* الجزء الثاني سيتناول: مصر وسوريا: التحولات الكبرى مع الأسد والسادات

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل