#adsense

غياب الحجّة

حجم الخط

بقلم : الدكتور جورج شبلي

حدّد المنطقيّون الحجّة أنّها وسيلة دفاع عقلية لأثبات صحّة رأي أو موقف. فإقامة الحجّة أذا ما هي إلاّ مرحلة تأكيد أمر بهدف الأقناع به. من هنا، أعتمد منطق أرسطو على الحجّة أو الدليل، ليأتي الأستنتاج، وهو آخر السلّم في مندرجات علم المنطق، مقبولا مبرّرا وبعيدا عن إمكان الخطأ. أمّا أذا خلت المداخلة من البرهان وافتقدت الى الدعم الذي تؤمّنه الأدلّة، فهذا يعني أنّ خللا مركزيا داهم المداخلة فأبعدها عن أمكان اعتبارها ذات قيمة أو أهمّية وبالتالي يصبح صاحبها مفتقرا الى ملكة التفكير الصحيح وإلى الآلة العقلية التي تعصم الذهن عن الخطأ.

ما دفع بي الى هذه المقدّمة التي ركّزت على التذكير بمفهوم الحجّة كشرط لازم لكل كلام، هو تلك الاجتهادات والاتهامات والتصريحات التي يطالعنا بها يوميا أولئك الذين يطلقون على أنفسهم ألقابا عظيمة في الشكل، هشّة في المحتوى، مثل سعادة النائب أو السفير، وصاحب المعالي الوزير أو الزعيم، والسيّد رئيس الكتلة أو الحزب أو التيّار. والعجب أنّ هؤلاء الميامين يعتقدون أنّ الله اختارهم من دون سائر الناس، وخصّهم من دون غيرهم بالحكمة وفيض المعرفة، فإذا بهم ينطقون بحديث "منزل" مفروض على العامة أن تقبله من دون مراجعة، وتهلّل لصاحبه المعصوم وكأنّه الشيخ الرئيس. هذه الحال تدفع بي الى أسترجاع صورة المتكبّر الواقف على رأس جبل فيرى الناس صغارا، لكنّه لا يعلم أنّهم هم أيضا يرونه صغيرا.

من هنا نستطيع أن نسأل مثلا عن الحجّة الدستورية التي تبرّر أقتناص عدد معيّن من الوزراء في التشكيلة الحكومية، أو فرض حقيبة وزارية لهذا الجانب أو ذاك، أو عن حصريّة وزارة ما لطائفة أو حركة سياسية أو حزبيّة….. ونسأل أيضا عن الدليل القاطع لاتهام جهة محدّدة في التدخّل بشؤون دولة مجاورة وادخال السلاح اليها لتأجيج نار الفتنة وتأليب الشعب على النظام، في حين لم يكن باستطاعة هذه الجهة أن تتصدّى، ولو لوقت قصير، لمن هاجمها واجتاح نطاق وجودها ونفوذها. كما نسأل الذين يتلطّون خلف الذرائع الواهية التي لم تعد تنطلي على أحد، عن المبرّرات الدامغة التي تغطّي التأخير في تأليف الحكومة العتيدة، الاّ الخلاف على الحصص وتحقيق أهداف شخصية لا تأخذ في الأعتبار متطلّبات الناس واحتياجاتهم الملحّة. ونسأل أيضا عن الحجج الأكيدة للوقوف خلف السلاح خارج سلطة الدولة، بعد أن ثبت بالبرهان أنّ هذا السلاح لم يطلق رصاصة يتيمة باتجاه العدو منذ حرب تموز المزعومة، واكتفى بتوجيه فوّهاته صوب الداخل مرارا وتكرارا، وعمل على تفكيك الدولة وترسيخ أمر واقع هجين لا وجود له حتى في جمهوريات الموز. ونسأل عن الوثائق التي أغفلتها مكبّرات الصوت في توجيه تهمة الفساد ذات اليمين وذات الشمال، بهدف تشويه سمعة والنيل من كرامة، في وقت انهالت التهم بين أعضاء الفريق "الأصلاحي" نفسه ومن على الشاشات بالتزوير والتلزيم من دون استدراج العروض. ونسأل عن التفويض/الدليل الذي توكّل عليه وزير الخارجية لاملاء موقف لبنان من القرار الأممي تجاه سوريا، ملزما مندوبنا برفعه في وجه الأجماع الدولي على أدانة المجازر. ونطرح أخيرا السؤال الكبير في ما خصّ تعطيل مجلس النواب وعدم دعوة الهيئة العامة الى الاجتماعات الالزامية في دورات متعاقبة… ويقول العاقل، وقد أصبح نادرا في زمن التصفيق الأرعن، قدّموا لي الحجّة لأقتنع.

بعد هذا، نتوجّه للذي تفوّه بالدّرر قائلا: "لقد أتى دورنا الآن لنضحك"، فنقول: "أذا ضحك
لك الزمان فكن حذرا، لأنّ الزمان لا يضحك طويلا".

 

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل