وفاء لك وعرفاناً بجميلك في يوم تطويبك نعرف ان ذاك المساء الجميل في سيدة لبنان في حريصا ترك فيك أثر حضور لبنان الجميل جغرافية وحضارة وشعباً. وطبع فينا صورة وجهك المنور بالمغيب ونبرة صوتك ترددها الجبال وبحر جونية: "ما أجمل هذا المساء"!
انت الآتي من البلد البعيد في بلاد الشجر والبحيرات والسهول الخضراء والثلج والبرد كان قلبك يشتعل حباً لله وللعذراء وللانسانية ولبولونيا وللبنان. أحرقتك المحبة فكنت بابا العمال واليد الممدودة الى الديانات الأخرى والثقة بالشباب والحفاظ على القيم العائلية والأخلاقية وحقوق الانسان وكرامته ومكافحة الحروب واحياء الحياة المكرسة والحياة الطقسية والتعاون مع العلوم وانتقاد الراسمالية العشوائية والشيوعية القاتلة.
غريب كيف كنت تكر على حبات مسبحتك اسم لبنان وتصلي لسيدة لبنان ليبقى ذلك الرجاء الجديد للبنان.
لأنك ابن الوحدة صرنا جماعة المحبة والدفء لا أب عندك ولا أم ولا أخ ولا أخت.. فأنت ابن العزلة، ابن التشرد والرحيل فتحولت قلوبنا لك الملجأ والسكون وموقدة الدفء والحنين.
لأنك ابن المسرح والثقافة والشعر جعلنا لك قلوبنا خشبة مسرحك الحقيقية وتعلمنا منك ثقافة الحياة والجمال والخيال والشباب لأنك ابن المقالع والموت حاولنا ان نقلع من قلوبنا صخور البغض وحجارة الحقد لنجعل من لبنان وطن الرسالة والحقيقة والمحبة وطن التلاقي: تلاقي الآلهة والناس والارض والسماء، الحضارات والأديان، فصار لبنان ثقافة الوجود الجديدة في المعية والغيرية والشخصانية حيث لا معنى لوجودي الا بوجود الآخر فأتأله بحب ثالوثي منه تنبع شخصانية الأب والابن والروح القدس في وحدة الألوهة والذات. انه حق الاختلاف في الوحدة.
ولأنك ابن لاهوت القيامة والحياة ضد لاهوت موت الله، ابن لاهوت الفداء والمغفرة والمصالحة والمسامحة وليس ابن "الغيتوات" في فرصوفيا في بولونيا وسجون التعذيب في اوشفيتز وداخو، والشلوخت، والمحرقات والتنقية العرقية والثأر والانتقام، علمتنا ان نقدم ذاتنا مثلك ذبيحة غفران وفداء ونحمل رصاصات قتلنا كما حملت رصاصة الموت في جسدك ووضعتها على تاج سيدة فاطيما في نشيد مسامحة وغفران ومصالحة.
ساعدنا لنخرج من ثنائيتنا وخبثنا وفريسيتنا، فنقول شيئاً ونصنع عكسه نعلم شيئاً ونكذب بتصرف عكسه تماما ونصلب يسوع في هذا الخداع الكبير بين ما نقول وما نعمل بينما ما نظهر وما نحن في الحقيقة.
ولأنك ابن الوطن الذي زال عن الخارطة عندما اقتحمه جبرانه، قلت "انا ابن بلد زال عن الخارطة وأعادته الى الوجود الثقافة.. فعلمتنا ان الثقافة هي حضور الله في معنى التاريخ والانسان والحضارة، والباقي نفاق وتهريج. ولأنك أحببت الله والعذراء والكنيسة ولبنان حتى النهاية، علمنا ان نفهم سر هذا الحب اليوم في ذكرى تطويبك ونقول لك عرفانا للجميل اعطنا بشفاعتك نعمة الشفاء من جراحنا وأمراضنا النفسية والجسدية والوطنية والفكرية والسياسية واللاهوتية لنليق بحبك لنا ونقدر على التشبه بك ولا ندمر صورة الله فينا، ولا صورة لبنان الرسالة، ولا وثيقة الرجاء الجديد للبنان.
يا من كنت دائما تسأل امام الأحداث: ماذا يرد الله منا ومن الأحداث ومن التاريخ؟ ليمكننا التصرف بالحضور الالهي في العالم وليس بكثافة وثقل ماديتنا وشهواتنا، علمنا ان نعرف ان الله يكتب مستقيماً على خطوط لولبية حارقة بنارها كل ما هو حولنا في هذا الشرق المسكون بنار الجحيم المفتوح على الموت والدمار وليس على بهاء القيامة وسلام المسيح وحبه.
امين سر اللجنة الأسقفية لوسائل الاعلام
رئيس دائرة الاعلام في مجلس كنائس الشرق الأوسط