الصعب توقّع خروج دمشق من أزمتها "القاتلة" قياساً على نجاحات الماضي
كتبت رلى موفّق في صحيفة "اللواء": تتجّه الأنظار إلى واشنطن وحلفائها الأوروبيين لتحديد الوجهة النهائية التي سيؤول إليها النظام السوري في ضوء لجوئه إلى خيار الحسم العسكري للاحتجاجات الشعبية التي تشهدها مدن سورية عدة. فالانطباع السائد لدى المراقبين في عواصم القرار أن إدارة الرئيس الأميركي باراك أوباما لم تحسم موقفها حتى الآن حيال الأحداث السورية، وذلك لأسباب عدة، أبرزها:
– وجود فريقين متناقضين من المستشارين في البيت البيض يضغطان على الرئيس من أجل عدم التخلي عن نظام الرئيس السوري بشار الأسد. وهذان الفريقان هما: فريق من المستشارين يشكّل اللوبي السوري – الإيراني الذي أقنع أوباما بإمكانية التوصل إلى اتفاق مع إيران وسوريا في منطقة الشرق الاوسط من خلال "سياسة الانفتاح"، وهو ما تُرجم اتفاقاً أميركياً – إيرانياً في العراق وحتى في لبنان. أما الفريق الآخر من المستشارين فيمثّل اللوبي الإسرائيلي الذي يرى أن نظام الأسد الأب والابن الذي اختُبر لأربعة عقود يُشكّل ضمانة لإسرائيل على جبهة الجولان، فيما أي نظام جديد يبقى مجهول النوايا حيال تل أبيب.
– إدراك إدارة أوباما أن وضع سوريا يختلف عن وضع كل من الدول العربية التي شهدت انتفاضات شعبية، ولقيت مساندة ودعماً أميركيين ودوليين، حيث جرى اتفاق مع المؤسسة العسكرية، في كل من مصر وتونس، على رسم السقف الذي يصبح معه تدخّل الجيش ضرورة لحماية المدنيين من النظام إذا تجاوز الخطوط الحمر. فالمؤسسة العسكرية في كلا البلدين هي مؤسسة صديقة على خلاف المؤسسة العسكرية السورية التي هي النظام عملياً. وهذا يقلّص إمكانات أن يحصل التحول سلمياً، من خلال الجيش، إذا ما فقد النظام السياسي شرعيته في ظل تصاعد التحرّك الشعبي.
– عدم عزلة النظام السوري كلياً، ذلك أن عزلة الزعيم الليبي معمر القذافي، من حيث موقعه الجيو – سياسي ومحدودية تحلفاته، ساهمت في سرعة اتخاذ المجتمع الدولي قراراً ضده، فيما النظام السوري يتمتع بشبكة ارتباطات ومصالح مع قوى مؤثرة محيطة به من لبنان وغزة إلى العراق وحتى تركيا، فضلاً عن تحالفه الاستراتيجي مع إيران التي يطال نفوذها دول الخليج العربي. وهو – أي النظام السوري – قد يُقدم تالياً إذا أُغلقت المنافذ أمامه على إشعال حرائق في المنطقة.
غير أن مراقبين في واشنطن باتوا على اقتناع تام بأن "الخناق" بدأ يضيق على أوباما، بحيث أن فترة السماح التي منحها للنظام السوري بدأت تقترب من نهايتها مع تعاظم حركة الامتعاض من قبل الرأي العام الأميركي والغربي يوماً بعد يوم، بفعل الصور والأفلام التي وصلت إلى الشاشات الأميركية عن مشاهد العنف والقمع في حق المتظاهرين. حتى أن مشاهد الدخول العسكري بالدبابات والمجنزرات إلى درعا سرّعت المهل التي كان يمكن أن تأخذها القيادة السورية لمعالجة وضعها الداخلي. فالرئيس الأميركي يُدرك أن الرأي العام الأميركي بدأ يتحرّك، والأهم أن الكونغرس الأميركي، الذي يسيطر عليه الجمهوريون، هو مناوئ للسياسة الإيرانية – السورية في المنطقة، وضد "سياسة الانفتاح" التي يعتبر أنها أدّت إلى إضعاف موقف الولايات المتحدة في الشرق الأوسط ودورها. كذلك يتماهى موقف الكونغرس مع المعارضة السورية في واشنطن، التي نجحت في اللعب على وتر القيم الأميركية حيال دعمها حرية الشعوب وديمقراطيتها، فتحوّلت إلى عامل ضاغط على سيّد البيت الابيض.
وقد دفع تسارع التطورات بالرئيس الأميركي ومن خلفه بريطانيا إلى الاتكاء على تركيا لممارسة ضغوطها تجاه دمشق من أجل احتواء الاحتجاجات ومباشرة معالجات جدية مع مختلف الأطياف السورية، في وقت تحركت واشنطن إلى فرض عقوبات أميركية ودراسة عقوبات دولية مع أوروبا تشمل أركان النظام لثنيه عن منحاه الدامي والتوجه في مسار بدء تغيير سلوكه. فالمجتمع الدولي يدرك أن النظام السوري يتحرّك لحماية النظام وليس لحماية الاستقرار الداخلي، وأن محاولاته لحسم الاحتجاجات الشعبية تسابق ما يمكن أن تحمله الأيام المقبلة من تحركات داخلية، سواء شعبية أو عسكرية، إذ أن الخشية من إمكانات اتساع حالات الانشقاقات داخل المؤسسة العسكرية، وسط اشتداد القمع، هو أحد الاحتمالات التي تراقبها عواصم القرار الأممية.
وتحمل التساؤلات عن مدى قدرة دمشق على حماية نظامها الكثير من علامات الاستفهام والتشكيك، وسط تفاؤل بعض حلفاء سوريا من أنها سبق أن مرّت في أزمات، واستطاعت أن تخرج منها سالمة متماسكة. فالظروف التي كانت متوفرة للنظام عام 1982 يوم وقعت أحداث حماه هي مغايرة لظروف اليوم، إذ حينذاك كان النظام محمياً من الاتحاد السوفياتي في ظل الحرب البارد. واستطاعت سوريا فرض تعتيم إعلامي شامل على الأحداث ودمويتها، فلم تصل الصورة إلى شاشات العالم. ولم تكن حصلت ثورة الاتصالات والمعلومات واخترقت الحدود، محوّلة العالم قرية واحدة، ولا كانت شبكات التواصل الاجتماعي موجودة وفاعلة في نقل المعلومة والصورة وإيصال حقيقة ما يجري إلى الخارج، ولا الأمثلة عن حصول ثورات عربية شعبية ونجاحها ماثلة في أذهان الشباب العربي.
والأهم، في رأي مراقبين في واشنطن، أنه لم تكن هناك معارضة سورية متنوعة. فالمعارضة يومها ارتبط اسمها باسم الإخوان المسلمين وما كانوا يشكلونه من "نقزة" في المجتمع الدولي، فيما المعارضة اليوم هي معارضة متنوعة، تضم الإخوان والليبراليين ومنشقين عن النظام ومجتمع مدني عريض. كما أن المعارضة في الخارج هي معارضة تنشط وتتحرّك حيال مراكز القرار الدولية، والتواصل بينها وبين معارضة الداخل هو تواصل وثيق. وهؤلاء يعرفون جيداً النظام وتكتيكاته وخططه، وهم على تماس مع الحالة الشعبية وليسوا منفصلين عنها، مما يجعل الظروف مختلفة كلياً عن السابق.
أضف إلى ذلك، أن العزلة التي عاشتها سوريا عقب اغتيال الرئيس رفيق الحريري عام 2005، تختلف في حيثياتها عمّا يمكن أن تواجهه اليوم إذ حينذاك لم يكن الحدث على أرضها ولا شعبها هو المستهدف، بل كان شعبها موحد فيما الشعب اللبناني، حيث هو الحدث، منقسم حيال دمشق. هذا فضلاً عن أن سوريا اليوم هي في صدد عقوبات دولية، مما يُضعف نظامها داخلياً وخارجياً، ويضعها لاحقاً تحت سيف المجتمع الدولي، إذا أرادت رفع العقوبات عنها، والعودة الى الحظيرة الدولية.
على أن تحديد الوجهة الأميركية حيال النظام السوري، تكمن في المدى الذي يمكن أن تصل إليه الاحتجاجات السورية ورقعة انتشارها في المدن والمحافظات السورية، الأمر الذي يستحيل ضبطها من دون اتساع عمليات المواجهة وحدّتها الدموية، وانكشافها أمام المجتمع الدولي، الذي لا تعود معه موسكو والصين والجامعة العربية قادرين على تغطية النظام وحمايته. كما تكمن في مدى التزام سوريا ومن ورائها حلفائها بعدم نقل الصراع إلى خارج سوريا، من خلال ضربة استباقية ما، لخلط الأوراق في الشرق الأوسط. ذلك أن خطوة كتلك ستدفع البيت الأبيض إلى تغيير "فلسفته السياسية" التي لا يزال ينتهجها والتي أمّنت صمود النظام السوري وبقائه إلى اليوم، بحسب المراقبين في واشنطن الذين يرون أن العامل المؤثر أيضاً في رسم مستقبل الموقف الأميركي يتمثّل بالمعارضة السورية وثأثيرها في الداخل السوري. ولعل "جمعة الغضب" اليوم تُحدّد المسار المقبل، ومصير الأسئلة الصعبة!.