كتب المحرر السياسي في صحيفة "السفير": لم يعد جائزا السكوت عن الفراغ. فقد تجاوز الأمر حدود خلاف على حقيبة أو اسم. انه الأمن الوطني بمعناه السياسي والأمني والاجتماعي. إنه الأمن القومي وبأعلى درجات مخاطره، فهل ينتظر مجلس الدفاع الأعلى، على سبيل المثال لا الحصر، اندلاع أحداث أو ثورة في جزر القمر أو موريتانيا، من أجل الانعقاد برئاسة رئيس الجمهورية، لمناقشة ما ينبغي مناقشته من مسؤوليات، أوليس ما يجري في سوريا، هو مناسبة لوقفة لبنانية مسؤولة، تتجاوز كل الحسابات الصغرى، من أجل أن يحدد اللبنانيون كيفية تعاملهم مع موقف هو الأخطر من نوعه في الشقيقة سوريا منذ نيلها ولبنان استقلالهما في الأربعينيات؟
أليس اتهام مواطن لبناني، بمعزل عما إذا كان الاتهام صحيحا أو مبالغا به، مدعاة لاستنفار الدولة اللبنانية، من أجل التأكد من صحة الاتهام أولا وتحمل المسؤولية ثانيا؟ أليس وجود حدود طبيعية مشتركة بين لبنان وسوريا(نحو 350 كلم)، ولا حدود غيرها مفتوحة مع بلد آخر، مدعاة لأن يشكل لبنان الرسمي خلية أزمة، استعدادا لكل الاحتمالات، الأمنية والسياسية والاقتصادية والتجارية والإنسانية، وباكورتها، أمس، نزوح مئات العائلات السورية إلى الشمال اللبناني؟
أليس لبنان السياسي، وهو اليوم عضو في مجلس الأمن الدولي، باسم المجموعة العربية مجتمعة، معنيا بأن يحدد لنفسه أولا، كيف يتعامل مع حدث مثل الحدث السوري، حتى لا يصاب بالإرباك الذي وقع فيه مندوب لبنان الدائم هناك وكاد يودي به إلى تقديم استقالته، عند المناقشة، ليصبح المنصب اللبناني ـ العربي في مجلس الأمن شاغرا، في لحظة تاريخية تمر بها المنطقة العربية، ومعها يعيد اللاعبون الدوليون النظر في الكثير من قراءاتهم وحساباتهم؟
هل كان لزاما علينا أن نظهر في ذلك المظهر البائس، بين وزير خارجية يحاول إن يتحمل مسؤولياته مشكورا، مستندا إلى منطق الطائف والمعاهدة اللبنانية ـ السورية السارية المفعول وكل ما نشأ عنها من اتفاقيات ثنائية، فيعطي تعليماته إلى مندوب لبنان، مستشهدا بمواقف رئيس الجمهورية الأخيرة في بكركي، قبل أن يصبح الوزير نفسه مدانا من رئيس حكومة تصريف الأعمال ومن كل فريق 14 آذار، وحتى من رئيس الجمهورية نفسه، الذي أخذ عليه أنه تجاوز الأصول والأعراف وكان ينبغي عليه أن يتشاور مسبقا معه ومع رئيس حكومة تصريف الأعمال بدل أن يلقى التنويه؟
هل يعقل أن نقرأ في صحفنا اللبنانية وعبر الفضائيات أن الدوائر الأمنية والعسكرية والسياسية في إسرائيل شكلت طواقم للأزمة للتعامل مع الحدث السوري وأن مجلس الأمن القومي في تركيا في حالة انعقاد شبه دائمة للمواكبة، وأن الدوائر الأمنية والاستخباراتية في الولايات المتحدة ومعظم الدول الأوروبية، في حالة متابعة للأحداث العربية ولا سيما الحدث السوري، بينما مجلس الدفاع الأعلى في لبنان وغيره من المؤسسات الموازية في حالة استقالة من الدور؟
هل يعقل أن نستمع إلى الفضائيات العربية تزف إلينا خبر إقفال الحدود بين سوريا والأردن، وأن هذه الخطوة قد تستكمل لاحقا بإقفال المعابر مع دول أخرى، أي لبنان وتركيا والعراق، ولا نجد هنا من يحرك ساكنا لا على المستوى الرسمي ولا على مستوى القطاع الخاص؟ وهل يمكن لنا أن نتوقع مسبقا حجم الضرر الذي يمكن أن يصيب الصادرات اللبنانية إذا توقف خط التصدير إلى الدول العربية، عبر سوريا؟
وهل يمكن اعتبار ظاهرة انحسار حركة العبور بين لبنان وسوريا ظاهرة طبيعية (تراجعت بنسبة تزيد عن 80 %)؟ وهل هناك من يسمع صرخة المزارعين والتجار والصناعيين والمخلصين الجمركيين والصيارفة والسائقين العموميين؟ هل يدري أهل السلطة في لبنان أن موسم السياحة هذه السنة مهدد، وأن الحجوزات تكاد تنتفي في معظم الفنادق وأن بعض المطاعم والمؤسسات السياحية يستعد لتسريح عماله إذا استمر الوضع الحالي؟
هل يعقل أن لبنان المشرع على كل المخاوف والتهديدات والتحديات الأمنية، من بوابة الخطر الإسرائيلي في الجنوب إلى بوابة المخيمات، من دون إغفال الاستحقاقات الأخرى، من ملف سجن روميه والاستونيين الذين ضاعت أخبارهم في الأيام الأخيرة، إلى أعمال قطع الطرق احتجاجا على جنون أسعار المحروقات، وملف الاعتداء على المشاعات والأملاك العامة وصولا لاستباحة حرم مطار بيروت الدولي والشاطئ الجنوبي كله… لا يجد من يقدم من رجالاته تنازلا لمصلحة وطنه بدل أن يحاول استنزاف بلده واقتصاده وأمنه تحت عنوان أنه لا يتنازل مهما كانت المخاطر والتحديات؟
لقد صار لزاما على كل مخلص لوطنه وكل مخلص للعلاقة اللبنانية ـ السورية، أن يضع إمكاناته في سبيل ولادة الحكومة اليوم قبل الغد.. وإلا فإن أي انزلاق غير محسوب في الأمن أو السياسة أو الواقع المعيشي، سيجعل الجميع يندمون ولكن في لحظة لا ينفع فيها الندم… الى الحكومة اليوم قبل الغد ففيها مصلحة لبنانية أولا وفيها مصلحة سورية أولا أيضا.