#adsense

كفى استهتار

حجم الخط

غالبية اللبنانيين تريد ان يكون بلدها مزدهراً واعداً مستقراً معاصراً، تُحفظ فيه حقوق الملكية، والحريات الشخصية، ومن اهمها حرية التعبير، واختيار موقع السكن والجوار، على افتراض استقرار الحقوق وترسيخها في الممارسة والقانون وضمير القادة.

لا بأس بتذكير اللبنانيين بمحطات انجاز في تاريخهم. فمنذ العقد الاول بعد الميلاد كانت وسائل إيفاء ثمن البضائع والخدمات عملة مسكوكة من الذهب.
وخلال الحكم العثماني، عندما كانت حدود الامبراطوريات شاملة للمجتمعات الخاضعة لسيطرة العثمانيين، اختيرت بيروت بسبب موقعها على خليج طبيعي كي تكون مرفأ متصرفية ادارية تمتد من عكا جنوباً عبر صيدا وبيروت وطرابلس الى اللاذقية.

ويشير سوسن آغا كساب وخالد عمر تدمري، وكلاهما ضليع في اللغة التركية والثقافة العثمانية، في كتاب وضعاه عنوانه "بيروت وحكم السلاطين"، ان بيروت اصبحت في القرن التاسع عشر وللمرة الاولى منذ زمن الرومان، المرفأ الرئيسي في شرق المتوسط، وقد ارتفع عدد سكان المدينة من 00008 عام 6781 الى 000051 عام 8091، واصبحت بيروت المركز المختار لانشاء جامعات ومعاهد اميركية وفرنسية وعثمانية، بحيث اعلن الوالي اسماعيل كمال بيه عام 2981 ان بيروت مرتكز للثروة، والرقي، والعلم الحديث.

بيروت هذه بفضل موقعها وطقسها وانفتاحها قصدها التجار والرحالة من كل صوب والكثير منهم شادوا لهم فيلات ومنازل فيها، وتوافرت في بيروت منذ اكثر من مئة سنة المنتجات من جميع البلدان، كما هو الحال اليوم وان تعدلت مصادر الاستيراد. واول مصرف في العالم العربي فتح ابوابه في بيروت عام 8581 عندما صدرت الصحيفة الاولى في العالم العربي. ومع صدور الصحيفة وتأسيس المصرف كانت بيروت المدينة الاولى في شرق المتوسط التي اصبحت مربوطة تلغرافياً منذ عام 8591، الامر الذي سهل تطور التجارة والتبادل مع دول العالم.

والصحافة السباقة، التي كانت بمثابة التعبير العملي عن الاندفاع نحو توضيح الرأي واعلانه، اخذت تستقطب الاعلان. فمنذ عام 1191 مثلاً كان سيزار دباس يعلن عن فوائد استعمال مادة الألومينيوم ومقاومتها للصدأ.

نعم، كان ذلك حضرة القارئ قبل 001 سنة. تاجر يؤكد وكالته لبضائع من نوع جديد لانه يعيش في مجتمع يتمتع بخصائص المجتمعات المنتظمة والمزدهرة. والسؤال هو: اين نقف اليوم؟
حرية الملكية مستباحة، التعدي على الاملاك الخاصة والعامة له ما يبرره ويحميه. وهذا الحامي للتعدي هو بالتأكيد يدق ناقوس الخطر على مستقبل لبنان، وعلى الرغبة في العيش في لبنان، وعلى فرص تطوير الاستثمارات في لبنان. فحرية الملكية كانت من جوهر حياة لبنان، والابتكار كان من مرتكزات ازدهار لبنان، واليوم نعرّض الحرية والابتكار لسطوة السلاح وحماية الاحزاب.

وحرية الرأي التي نتج منها طبع الجريدة الاولى باللغة العربية في لبنان وتشغيل المطبعة الاولى نصف الميكانيكية باللغة العربية، اصبحت هي ايضا قيد الاغتيال كل يوم. فاللبناني من فئة معينة لا يحق له ان يتجول من دون اعتراضات وتهديدات في كل لبنان. والسائح على الدراجة يُخطف ويصبح وسيلة للابتزاز، وحرية الرأي تعني سيلان الكلام اللامعقول، واللامصقول، واللادقيق وتعني التعدي على سمعة الناس، واستمرار الفتنة واعتماد الفجور في التعامل والتعبير.

ولا عجب في ان يكون هنالك انكفاء سياحي (عدد الزوار اقل 13 في المئة في الفصل الاول منه في السنة السابقة) وانكفاء استثماري يظهر من تباطؤ زيادة القاعدة المالية في البلاد وتركيز التوقعات على ما هو سيئ وزوال نفحة التفاؤل وخصوصا مع سفر نخبة الشباب والصبايا للعمل في الخارج، والاهم من ذلك للعيش في مجتمعات تحترم الانسان لا بسبب انتمائه الى دين او مذهب بل استناداً الى عطائه وحسن تعامله وكفايته.

لبنان اليوم لا يحفظ حرية الملكية، وتطغى فيه موجات التشويه الاعلامي والتعصب الطائفي. ولبنان على صعيد الاتصالات عاد الى عهد التلغراف. وفي حين كانت شبكة المياه توفر هذه المادة الحيوية للمنازل في بيروت منذ 120 سنة، اصبحت اليوم غير كافية وغير نظيفة بالنسبة الى امدادات المياه لأهل بيروت.

بعد كل الذي نحن فيه هل نستطيع الاستمرار في تصوير لبنان بانه بلد الحريات الفردية وبلد الحفاظ على الملكية الفردية وحمايتها، ام ان البلد اصبح تحت شبكة شريعة الغاب التي بالكاد تسمح للمواطنين بالتنفس والمبادرة؟

السياسيون منذ الاستقلال، في ما عدا فترة حكم فؤاد شهاب، أقعدوا لبنان عن التقدم والرقي، واليوم فئات السيطرة تنتهك حرية الملكية، وتسفه حرية الكلام، فماذا يبقى من لبنان بعد ذلك؟!

المصدر:
النهار

خبر عاجل