عرفنا صاحب القداسة البابا يوحنا بولس الثاني منذ أن دعانا الله الى تولي مهمات البطريركية المارونية ، فقمنا بأول زيارة له بعد انتخابنا بطريركاً، وقد رافقنا في تلك الزيارة بعض الأساقفة الموارنة، وقابلنا مقابلة أبوية ارتحنا اليها نحن ومَن رافقنا. وتوالت الزيارات بعد ذلك كلما ذهبنا الى روما، وكان يستقبلنا مثله في الاستقبال الأول، وترجمنا له وثيقة بابوية الى العربية وقدمناها اليه فتقبّلها بالشكر، وأهدى الينا في تلك المقابلة، على ما نذكر، سبحة وبركة خاصة. وعندما زار لبنان حلّ في السفارة البابوية، لكنه جاء الى البطريركية المارونية وتناول فيها طعام الغداء مع مَن دُعوا الى البطريركية معه، وذهب على الأثر واحتفل بالقداس الإلهي في سيدة لبنان، وألقى خطاباً أظهر فيه إعجابه بهذا البلد، ومما قاله يومذاك أنه يرى الأفق من بعيد وقد لامسته شمس الصباح، أضاف: "ما أجمل هذا الأفق".
كذلك كنا، كلما زرنا روما، نحظى بزيارته وببركته، وكان يظهر لنا محبته للبنان وعطفه عليه ويمنحه بركته الأبوية ويستفسر منا عن كل التفاصيل التي تتعلق به وبالعيش المشترك بين مسيحيين ومسلمين، كذلك كان يظهر لنا وللطائفة المارونية كل مودة واحترام ويدعو لنا ولها بالتوفيق.
وفي الأيام الأخيرة من حبريته كان لا يزال يتوجع من ذلك التجني عليه على يد أحد السذج الذي حاول طعنه بالسكين، فصبر على ذلك وغفر للفاعل، ولكنه ظل متأثراً بالعملية الجراحية التي أجريت له. وهو قد خبر الشدة في بلده بولونيا التي عرفت الاحتلال النازي وعمل ما في وسعه لإزالة نير الاحتلال عنها، كما كانت له جهوده في تغيير وجه أوروبا.
وعلى الجملة، إنّا لا نزال نذكر ما كان هذا الحبر الأعظم يتحلى به من صفات إنسانية كبيرة، ولاسيما أنه كان شديد العطف على المتألمين والفقراء من كل بلد وملة، وهو كان يمدهم بمساعداته الأبوية.
ولا نعجب إذا ما كانت الكنيسة تتأهب لرفعه على المذابح قديساً، لأنه كان من أولياء الله الذين جعلوا متكلهم عليه تعالى وحياتهم محور تفكيره وهواجسه. ولقد حظي من خلاله اللبنانيون والموارنة بطوباوي جديد للبنان يسير على درب القداسة، مترافقاً مع قديسيه وطوباوييه شربل ورفقا والحرديني ونعمة والدويهي، ليشفعوا به وبشعبه ويساعدوه على تخطي ما يعترضه من صعاب ويرسخ المحبة والسلام والأمان فيه.
رزقنا الله بشفاعته أن نعيش حياة قداسة وتضحية وشفع بلبنان ليبقى كما كان يتمناه قداسته، بلد الحرية والتعايش المسيحي – الإسلامي والسلام.
بطريرك انطاكيا وسائر المشرق للموارنة سابقاً البطريرك الكاردينال مار نصرالله بطرس صفير