كتب فادي عيسى في صحيفة "الجمهورية":
كان لافتا مطلع هذا الأسبوع النبرة العالية التي توجّه بها نائب رئيس مجلس الوزراء السابق اللواء عصام أبو جمرة حيال العماد ميشال عون، بعد انتظار طويل لإصلاحات لم تتحقّق، على رغم كل الفرص التي أعطاه إياها اللواء أبو جمرة، قبل أن يقطع الأمل بإصلاح الخلل داخل التيار الذي ناضل في صفوفه.
مقرّبون وثيقو الصلة باللواء ينقلون عنه خيبة أمله العارمة من رفيق دربه الطويل، ويؤكدون استياءه من التعنّت الذي مارسه عون على رغم سياسة اليد الممدودة التي مارسها تجاهه اللواء، والتي كان مسك ختامها تأدية واجب التعزية بشقيقه أبو نعيم، عندما قصد دارته في الرابيه معزّيا، ثم مشاركا في مراسم الجنازة في الضاحية الجنوبية، لكنه لم يتلقّ أي شكر على بادرته، بل قام عون بكل ما يشكّل استفزازا له عبر الإجازة لمساعديه وأعوانه بتناول أبو جمرة في الحلقات الضيّقة بكلام جارح. ولم يَكن ما تفوّه به صهر الجنرال الوزير جبران باسيل من كلام بأنه "بَاتَ أحد الساقطين"، إلا غيض من فيض، وهو يمثّل ما يعكس في داخل عون من حقد دفين ونوايا لإبعاد الرجل الثاني من التيار عن مركز قرار "الحالة العونية"، وفق ما وصفها أبو جمرة في حديثه التلفزيوني عبر محطة "إم، تي، في".
ويضيف المقرّب من أبو جمرة أن "شعرة معاوية" قد انقطعت نهائيا بين الرجلين، وأن يوم الثلثاء الماضي كان يوما آخر في حياته، هو الذي يعوّل على التفاف شباب "التيار الوطني الحر" وأنصاره حوله، في زمن يعيش فيه التيار تشتّتا وضياعا تِبعا لما يتّهم عون دون سواه من مواقف تعطيلية للحياة السياسية والاقتصادية في لبنان، على خلفية عرقلته تشكيل الكومة العتيدة، أم على رهانه على "ممانعة" النظام السوري الذي يعيش مخاضا عسيرا وتجربة مريرة لا يحسد عليها، إلى حدّ انه بات ينتظر مبادرات إنقاذية ما من الخارج، لم يسمع صداها حتى تاريخه هذا، في الوقت الذي يتخبّط به حلفاؤه بملفات شائكة ومعقّدة، منها التعدّيات على أملاك الدولة والبلديات والأوقاف الدينية الإسلامية والكنسية من دون هوادة، ما ينسحب سلبا على أرصدة كلّ من عون وحلفائه على حدّ سواء. ويجد المراقبون في توقيت إطلالة أبو جمرة التلفزيونية "ضَربة معلّم" على خلفية اختيار التوقيت المناسب للكلام، نتيجة اقتناعه بأن ما وصل إليه التيار يتطلّب دقّ ناقوس الخطر ووقفة شجاعة تمهّد الطريق لتعبئة فراغ ما بدأ مع تململ لافت لكوادر هذا التيار، فمنهم من قرّر التحفّظ لإطلاقه في الوقت الحاضر لظروف معيّنة، والآخر قرّر المضي في تحرّكه ومؤازرته في مواقفه، إنطلاقا من أن اللواء قرّر عدم ترك التيار، وله الأحقّية في معارضة الشوائب والأخطاء وفي إبداء المواقف الآيلة إلى دفع الأمور نحو التصحيح عبر حركة احتجاج سلمية تصل بالتيار إلى إجراء انتخابات وتنظيم تركيبة المؤسّسة التي شرع في وضع نظامها في العام 2005.
كثيرون انتظروا العماد عون للإطلاع على موقفه من إعلان أبو جمرة الذي ذهب بعيدا إلى حد المطالبة بـ "إسقاط الحالة العونية"، لكن كثيرين أيضا فوجئوا بهروب العماد عون إلى الأمام وعدم التطرّق إلى هذا الإعلان ومواجهته، على رغم الخيار "المبدئي" الذي انتهجه عون، حيث هدّد بالردّ على كل من يتطرّق إلى الدستور من دون حجج داعمة، في الوقت الذي لم تستفزّه ثلاث ساعات من الموجات العالية التي أطلقها اللواء أبو جمرة، وكأنها لا تعنيه ولا تعني تيّاره، وربما كان قرار من الرابية، كما دائما، بضرورة التزام الصحافيين الصمت ومنعهم من طرح أي سؤال حول ما أطلقه الرجل الثاني في التيار في حديثه التلفزيوني.
على رغم قرار عون الردّ على رئيس الجمهورية الجنرال ميشال سليمان، الذي يحارب حصول عون على حقيبة الداخلية ليحكم لبنان "إداريا"، وعلى رغم قرار الجنرال أبو جمرة فتح النار على رفيق الدرب، بعدما اقفل عليه الجنرال عون أبواب "المجد العونيّ"، فإنّ أبو جمرة نجح حتى الساعة في إجبار رفيق دربه الطويل على التزام الصمت المطبق!
ومن المؤكّد انه ثمّة أسرار وملفات يخشاها عون ويخشى منها، إذا ما قرّر الدخول في حرب جنرالات بلا جيوش؟