"يجب العمل على إنضاج الممارسة الجهادية، فعندما يكون في لبنان مليون جائع، فإن مهمتنا لا تكون في تأمين الخبز، بل بتوفير الحالة الجهادية حتى تحمل الأمة السيف في وجه كل القيادات السياسية".
حسن نصرالله 1987
في مقابلة تلفزيونية سابقة، وفي حوار مع أحد قياديي تيار "المردة"، صرّح هذا القيادي الشاب، وللمفارقة المؤسفة المحامي، بأن في لبنان "لا يوجد دولة، فهذه حارة كل مين إيدو إلو، لذلك فنحن نتعامل معها على أساس الشاطر بشطارتو!". وتعود بي الذاكرة أيضاً الى خطاب السيد حسن نصرالله في ملعب الراية بُعيد حرب تموز وفي ردّه على المطالبة بتسليم قرار سلاح حزبه الى الدولة، فقال "يا حبيبي خلّي يكون في دولة قبل أن أسلم سلاحي". ويتقاطع هذا كله مع ما نُقل عن لسان الرئيس نبيه بري في حواره الأخير مع المفتي عندما قال "ليش في دولة!" مع العلم أن دولته مؤتمن على التشريع والقوانين في هذه الدولة، وهو بالمناسبة، حسبما أذكر، قانوني.
لم يكن إذاً من قبيل المزايدة، عندما رفعت قوى 14 آذار شعار العودة الى الدولة، لأن الطرف الآخر، حسب ما تثبته الوقائع، لا يعترف أصلاً بوجود الدولة، ولكن لكل من مكونات 8 آذار أسبابه الخاصة.
فـ"حزب الله" يعتبر أن دولته الموعودة هي الدولة التي تتبع مباشرة قيادة الولي الفقيه "الحكيم والعادل والشجاع"، ويعتبر أن النضال لتحقيق هذا الهدف هو واجب عقائدي وديني، يجب ألا يقف أمامه أي عائق أو تضحيات مهما بدت كبيرة، لأن الهدف هو الأسمى. وهذا الهدف لا يمكن أن يتم بوجود دولة يعترف بها المواطنون، بل من خلال "إنضاج الممارسة الجهادية" ودفع الناس الى العصيان والثورة لتغيير الوقائع.
لقد كان هذا الواقع هو الأساس في رفض "حزب الله" اتفاق الطائف، الذي وضع الأسس للجمهورية الثانية، وأنهى الحرب الأهلية التي كان يحلم هذا الحزب من خلال استمرارها بأن تسقط الدولة نهائياً، لتحل محلها تدريجياً دولة "حزب الله" من خلال المؤسسات البديلة التي لم تكن قد اكتملت عشية اتفاق الطائف.
لذلك، إن إصرار هذا الحزب على عدم الاعتراف بالدولة والسعي الى تشجيع وتعميم الفوضى المحمية بالسلاح غير الشرعي، ومن ضمنها البناء على المشاعات، ما هو إلا نهج مدروس ومقصود في سبيل تحقيق الأهداف الإلهية!
أما مجموعات الفساد، فهي المنظومات التي تسمّي نفسها سياسية، وهي في الواقع قوى أوجدت نفسها من خلال رشوة المواطنين عبر استغلال مواقعها في الوزارات المحسوبة عليها، مستفيدة من حماية النظام الأمني سابقاً والتوازن المذهبي والطائفي، بالإضافة الى استمرار وجود السلاح غير الشرعي الذي أمّن حماية بديلة من النظام الأمني بعد سنة 2005. وتشمل مجموعة سلطة الفساد أحزاباً مثل حركة "أمل" وتيار "المردة" اللذين بُني وجودهما على أساس تعميم الفساد وجعله محمياً من أوسع شريحة من المواطنين، ويكفي أن نذكر كيف هدد رئيس مجلس النواب بحرب أهلية يوم حاولت الدولة إزالة المخالفات عن أرض مستشفى بيروت الجامعي، فأجبرها على دفع تعويضات مضاعفة للمعتدين، كما أن قصة وادي أبو جميل لا تزال حية في الذاكرة.
أما مآثر تيار "المردة" فلا تزال تتردد في وزارة الصحة التي أصبحت مزرعة لتوزيع الفوائد كرشوة سياسية عشية الانتخابات، ومصدراً للارتزاق للمحاسيب من خلال شركات الدواء ومشاريع المؤسسات الدولية. أما في وزارة الداخلية فحدّث ولا حرج، من قضية "البينغو" الى مسألة أرقام السيارات المميزة التي وزعت بالآلاف قبل انتخابات 2005. من الطبيعي إذاً أن يقول أحد أقرب مساعدي رئيس هذا التيار في مقابلاته التلفزيونية بأن "الشاطر بشطارتو" وطبعاً إن وضعاً شاذاً كما وصفنا لا يمكن أن يستمر بوجود دولة ومؤسسات تحاسب، لذلك فمن الأوفق لهؤلاء استمرار غياب الدولة.
أما المجموعة الثالثة المستفيدة من منطق غياب الدولة، فهي الشخصيات التي تقود مجموعات أو أحزاباً صغيرة وضعت نفسها في خدمة النظام السوري تحت غطاء الممانعة والمقاومة.
لقد سمح الوضع القائم، وغياب سلطة الدولة لرموز هذه المجموعات بأن يصولوا ويجولوا في عالم السفاهة واحتلال مساحات إعلامية واسعة يمارسون من خلالها مهنة السباب والشتائم، من دون حسيب أو رقيب، ومن دون إمكان سوقهم الى المحاكمات، في وقت يعجز الطرف الآخر، أي قوى 14 آذار، عن مجاراتهم على الموجة نفسها لأسباب أخلاقية ومبدئية. فليس غريباً إذاً أن تسعى هذه الأطراف الهامشية الى استمرار حالة غياب الدولة وتعميم الفوضى.
أما الطرف الرابع المتمثل بالعماد العون، والذي بنى كل مجده يوم أعلن حرب الإلغاء، أي إلغاء الميليشيات، لتعود سلطة الدولة، فهو لا يعترف إلا بدولة هو قائدها الى الأبد وربما بعد الأبد على طريقة الدول التي يتحالف معها. لذلك فإنه لا يوفر فرصة اليوم لضرب الاستقرار ورفض السلطات وشتم المؤسسات، والأهم دعم السلاح غير الشرعي آملاً في تقويض القائم حتى يحظى بفرصته التي قد لا يسمح العمر بتحقيقها بالطرق الديموقراطية.
لذلك فإن مبدأ تغطية مخالفات البناء يأتي منطقياً مع مبدأ وجود السلاح غير الشرعي ومن منطق موحد لهذه القوى هو رفض الدولة القائمة والسعي الى دولة تتناسب مع واقع وأهداف كل منها ولو سقط القانون وسقطت المواطنية.