لا يزال الرئيس ميشال سليمان صامدا في قصر بعبدا، على رغم أن "حزب الله" وحليفه العماد عون، وسائر المكوّنات الصامتة على مضض، ينفذان ما أصبح غير مبالغ بتسميته 13 تشرين سياسية ضد الرئاسة الأولى والرئيس المعتصم بحبل الصمت والصبر.
وحملة 13 تشرين هذه بدأت، على ما يبدو، تحقّق بعض الأهداف التكتية، إذ إنها نجحت في تحييد تحالف سليمان مع الرئيس المكلّف نجيب ميقاتي الذي تنازل عن دوره في اليومين الماضيين، كمتضامن مع مطلب احتفاظ رئيس الجمهورية بوزارة الداخلية، ليتحوّل إلى ناقل رسائل من الحزب بضرورة تخلّي الرئيس عن تسمية وزير الداخلية.
ويبدو أيضا أن ميقاتي حمل عرضا رفضه سليمان، يقول بمخرج يسمّي بموجبه عون ثلاثة أسماء للداخلية، يختار سليمان واحدا منها، وهو رفض يشير إلى الآن أن رئيس الجمهورية لم تتعبه حملات الاتهام بالتعطيل وبخلق المؤامرات ضد سوريا، هذا الاتهام – التحذير الذي ساقه رئيس مجلس النواب نبيه بري باسم قوى "8 آذار" وباسم سوريا نفسها.
ولم يعد سرا أن كل الوسائل باتت تستعمل لإضعاف إرادة الرئيس سليمان ولفرض التنازل عليه كأمر واقع، فالاتهام المبطَّن للرئيس بري، لم يكن الأول ولا يبدو أنه الأخير، إذ إن النغمة الجديدة القديمة بدأت تعلو ملمّحة إلى اتهام رئيس الجمهورية بالرهان على ضعف القيادة السورية، رهان جعله يستثمر كثيرا في رفض تمرير حكومة تابعة لحزب الله وحلفائه، وتسريب لإشارات من دمشق تجاه الرئيس سليمان بلغت مدى أبعد من مجرد التعبير عن الجفاء، ووصلت إلى حد التأكيد أن الرئيس السوري بشار الأسد رفض في اتصال اجراه سليمان به رغبة من الأخير في زيارة تضامنية الى سوريا، في اشارة الى ان القيادة السورية لم تعد تريد هذا الدعم المتأخر من رئيس الجمهورية على رغم حاجتها الماسّة إلى كل دعم، بل كانت، وما زالت، تعتبر أن مَن يريد أن يدعم النظام كان عليه أن يأخذ موقفا واضحا منذ الساعات الأُوَل لبدء الأحداث في سوريا، لا أن يستمر في الصمت أسابيع طويلة على قاعدة الحياد البنّاء.
ولهذا السبب ولغيره ايضا من تراكم عوامل فقدان الثقة في العلاقة بين دمشق والرئيس سليمان منذ امتناعه عن الموافقة على إحالة ملف شهود الزور الى مجلس الوزراء، باتت القيادة السورية، على ما يرشح من معطيات، أقرب الى تأييد اتجاه يخرق التوازن الهش في الأكثرية الجديدة لمصلحة حزب الله وحلفائه، من خلال ترجيح دعم العماد عون في نيل وزارة الداخلية وممارسة اقصى الضغوط على رئيس الجمهورية، لكي يقبل التخلي عنها، ليس لاسم محايد، بل لمرشّح يختاره عون.
وقد تحدّثت المعلومات عن رسائل اوصلتها القيادة السورية الى ميقاتي عبر شقيقه طه، مفادها أن يحيد موقفه في موضوع الداخلية عن موقف رئيس الجمهورية، وذهبت معلومات لم تتأكد الى حد القول إن ميقاتي زار سوريا سرا قبل توجهه الى لندن، وطلب منه عدم التضامن مع الرئيس سليمان في عقدة الداخلية. ومن هنا، يمكن تفسير مرونة ميقاتي بعد عودته من لندن، هذه المرونة التي أدت الى تحييد الرئيس المكلف عمليا، والى قيام حزب الله وحلفائه بتركيز الضغوط على سليمان وحده لمحاولة توليد الحكومة ولو بعملية قيصرية.
الملاحظ أن هذا المسار الضاغط على الرئيس سليمان لم يقتصر في الأيام الاخيرة على تكتيكات العزل والاتهامات الهادفة الى شل الدفاعات الرئاسية، بل تعمّد الضاغطون ادخال وسائل جديدة من الإنذار المبكر تمثلت بتحريك الشارع مطلبيا، ووصلت الى حد قطع الطرقات في رسالة ذات مغزى واضح، وهو نموذج استعمل ضد سليمان في تظاهرات التقنين الكهربائي في الشياح يوم كان قائدا للجيش.
اما اليوم فإن العماد عون، الذي بات واضحا انه وضع رئيس الجمهورية في خانة الدفاع عن النفس، يراقب سعيدا حزب الله وحلفاء سوريا وهم يقومون بتنفيذ عملية 13 تشرين ضد قصر بعبدا، وهو لا يمانع أن تخرج هذه العملية عن سلميتها، بحيث يتم إدخال بعض العناصر التوتيرية في الشارع الى خطة الهجوم الأصلية، طالما أن هدف هذه الخطة الحقيقي افراغ الرئاسة من الرئيس، حتى لو استطاع ان يكمل الولاية، بصفة رئيس لتصريف الأعمال.