كتب معروف الداعوق في "اللواء": لم تعد الاتهامات التي يكيلها أطراف ما يُسمّى بتحالف الأكثرية الجديدة لبعضهم البعض بتعطيل تشكيل الحكومة الجديدة منذ فترة تُقنع أحداً، ولا كلام رئيس مجلس النواب نبيه بري الأخير، بأن من يعطّل عملية التشكيل إنما هو يتآمر على سوريا نفسها يبرّر العجز الحاصل في عملية التشكيل، بل إن كل ما يُقال ويُطرح هو بمثابة إعلان غير مباشر لسقوط محاولات استيلاد تركيبة سلطوية خاصة بهذا التحالف تنبثق عنها حكومة اللون الواحد الموعودة التي روّج لها تحالف الثامن من آذار، بدلاً من الصيغة السلطوية لتركيبة حكومة الوحدة الوطنية التي أُسقطت بقرار سوري – إيراني مشترك اتخذ في دمشق نهاية العام الماضي، لاستبعاد تحالف قوى 14 آذار برئاسة سعد الحريري عن السلطة، ومحاولة مكشوفة للتهرّب من تحمّل مسؤولية الفشل في تظهير الصيغة السلطوية الجديدة بعد تبدّل كل عوامل وظروف قيامها بفعل التطورات المتسارعة في المنطقة العربية عموماً وتحديداً في سوريا·
ويُلاحظ أن تبادل الاتهامات بالعرقلة والتعطيل والتذرّع بالحصص الوزارية والشروط التعجيزية التي يطالب بها التيار العوني تارة وما يرفضه الرئيس المكلّف ورئيس الجمهورية تارة أخرى، ومحاولة كل من هذه الأطراف إلقاء مسؤولية العرقلة والتعطيل التي باتت تستنزف الواقع السياسي والأمني والاقتصادي على حدٍّ سواء، قد تكون جزءاً من المشكلة التي تتخبّط فيها عملية التشكيل، ولكن الجزء الأكبر الذي يحاذر أطراف الأكثرية الجديدة والقائمين على تشكيل الحكومة العتيدة التطرّق إليه أو الحديث عنه، هو تبدّل موازين القوى العربية والإقليمية التي دعمت إستيلاد الأكثرية الجديدة لتكريس واقع سلطوي جديد، وتفاعل الصراع الخليجي – الإيراني في الدول والمناطق التي تشكل مسرحاً لهذا الصراع ولبنان من ضمنها بالطبع، وهو يتأثر سلباً أو إيجاباً وفقاً لتبدل موازين هذه القوى وبما ينتج عن هذا الصراع خلافاً لادعاءات البعض واستنتاجاتهم·
ولذلك، يُستعاض عن اعتراف أطراف الأكثرية الجديدة بالواقع المستجد، بالهروب نحو حصر العرقلة بالمطالب الوزارية العالية السقف للتيار العوني، أوعدم استعداد رئيس الجمهورية للتنازل عن الحقائب الوزارية الأمنية وصولاً إلى رفض الرئيس المكلّف التنازل عن صلاحياته الدستورية، في حين يتلطى <حزب الله> الراعي الشريك مع دمشق بإسقاط صيغة حكومة الوحدة الوطنية، بكل هذه الوقائع والمطالب، للتهرّب من الإعلان المباشر والصريح لفشل صيغة التركيبة السلطوية البديلة، وإبقاء الوضع السياسي أسير الدوران في حلقة الشلل السائدة حالياً والاستنزاف الأمني والاقتصادي، الذي ينذر بتداعيات خطيرة على مصالح اللبنانيين كلهم دون استثناء· فالوقت الطبيعي المطلوب لتشكيل الحكومة انقضى بالرغم من محاولات بعض أطراف الأكثرية الجديدة الادعاء بأن رئيس حكومة الوحدة الوطنية المستقيلة سعد الحريري أمضى قرابة خمسة أشهر لإنجاز عملية التشكيل، إلا أن هذه المقارنة ليست منطقية على الإطلاق، لأن هناك فرق كبير بين تشكيل حكومة من لون واحد كما يحصل في الوقت الحاضر وحكومة الوحدة الوطنية التي تضم جميع الأطراف السياسيين من دون استثناء، ولذلك لا بد من الارتقاء إلى مرحلة الاعتراف الواضح بالإعلان عن فشل كل المحاولات المبذولة لتشكيل الحكومة العتيدة، والانتقال إلى طرح صيغة بديلة بمشاركة جميع الأطراف السياسيين، من الأكثرية والمعارضة على حدٍّ سواء، مع الأخذ بالاعتبار كل الوقائع والمخاطر الجدية التي تتهدد لبنان حالياً، لتشكيل الحكومة الجديدة على أساسها بالتفاهم والاتفاق بين كل الأطراف، بدلاً من المكابرة غير المجدية من قبل الأركان الأساسيين في أطراف الأكثرية الجديدة واستمرارهم في محاولة إلهاء الرأي العام بمسألة الشروط التعجيزية والمطالب الوزارية المختلف عليها من قبل هذا الطرف أو ذاك كما يحصل في الوقت الحاضر·
فإذا كانت أطراف الأكثرية الجديدة أو بعضها لا يجرؤ على الخروج عن <تفاهم دمشق> الذي استولد هذه الأكثرية غير المتجانسة بالضغط والإكراه كما هو معلوم، للانتقال إلى مرحلة سياسية جديدة تتيح إنفتاح كل الأطراف السياسيين بعضهم على بعض، واستمرت في المماطلة والمكابرة بانتظار تبدلات جذرية في وقائع الأزمة السائدة في سوريا حالياً لتوظيفها لصالحها وتمرير الوقت من خلال إعطاء الرئيس المكلّف مزيداً من المهل، فهذا يعني استمرار إلقاء القبض على الواقع السياسي القائم حالياً وإطالة أمد الأزمة السياسية إلى وقت غير معلوم، لأنه كما يظهر أن الأطراف المذكورة ليست على استعداد للاعتراف بتبدل الظروف التي أتاحت للأكثرية الجديدة تسمية رئيس جديد للحكومة وغير راغبة للتنازل عما اعتبرته مكاسب سياسية حققتها لصالحها على حساب خصومها السياسيين في المعارضة الجديدة منذ انسحاب الجيش السوري من لبنان في ربيع العام 2005، أي قبل ست سنوات·
إلا أن هذا الواقع السياسي المغلق لا يمكن أن يستمر هكذا وحسب رغبات هذه الأطراف بانتظار جلاء الأحداث العربية مهما طالت، بل يرتب مسؤولية كبيرة وأساسية على كل المعنيين وعلى رئيس الجمهورية تحديداً وسائر القوى السياسية، في المعارضة والموالاة على حدٍّ سواء لممارسة دورها والقيام بما هو مطلوب منها، لوضع حدّ لحالة المراوحة السائدة، والتفاهم في ما بينها على المرحلة المقبلة، قبل أن يدهم الوقت الجميع من دون استثناء وترتد انعكاسات حالة الفراغ السياسي سلباً على لبنان كله من دون استثناء.