#adsense

هوذا الرجل!

حجم الخط

بقلم ملحم الرياشي

يخبر فرنون والترز، سفير اميركا لدى الامم المتحدة في العام 1980، أن الرئيس رونالد ريغان أجرى في تلك السنة مع فريق عمله بحثاً معمّقاً حول العلاقات الاميركية-السوفياتية. سأل ريغان: كيف يمكن القضاء على الشيوعية وتعزيز الديموقراطية في هذا القسم من اوروبا، فالاتحاد السوفياتي بدأ يؤثر جدياً على مستقبل العالم.

أجاب البعض، لا تفكر في حرب نووية، لأن اليوم التالي سوف يكون مختلفاً وشنيعاً على الجميع، وقال بعضٌ آخر، ولا تفكر يا سيدي الرئيس في حرب كلاسيكية، لأن السوفيات يملكون من البوارج والغواصات والدبابات ما يجعل انتصارنا غير مضمون؛

حزن على غضب، وتختال نظرات الرئيس في فريق عمله، وبعد صمت اخترقته تنهيدة يائسة:"اليس لدينا ما نتقدم به على هؤلاء؟"

وجوه تحدق الى الارض، وأخرى تنقّل عيونها بين السقف البيضاوي وتماثيل الرؤساء المؤسسين، وأخرى تنهمك باللوحات الزيتية، علّها تبعد إمكان التقائها مع عيون الرئيس الغاضبة.. والحائرة، ليستقيم احد الحضور ويقول: نعم يا سيدي لدينا ما هو أقوى من السوفيات، وبكثير.

– أسرع ماذا تقصد؟ قال الرئيس

– يوحنا بولس الثاني! صرخ الرجل بصوتٍ واثق.

ويتابع والترز، ان عيون الحاضرين لمعت في تلك اللحظة، وتطايرت شرارات الانتصار من عيون الرئيس، ليقول كبير مستشاريه باللاتينية: ecce homo الذي معناه: هوذا الرجل!

وكان يوحنا بولس الثاني، الرجل، ألذي اسقط عرش الشيوعية عن اكثر من مايتي مليون كليومتر مربع من القارة، ليس لحساب دين اسقطه، ولا لحساب ايمان، بل لحساب الحرية، ولصالح الانسان.

اهتزّ العالم الحديدي، وارتجف الشرق المغلق على ابوابٍ، خُيّل لأي امرء انها دهرية، وسقط الجدار؛ برلين فتحت ابوابها لينفتح العالم الحرّ ولو لوّثت اثمان الحرية بعض جوانبه، انفتح على عالمٍ مضطهدٍ ومعذّب ، ولكن أكثر نظافة وأغزر ايمان.

التصق كما يوحنا او "حنان الخالق"، بهموم الناس واوجاع الشبيبة، فكان يقترب من هذا، ويقارب ذاك، يحنّ على هذه ويغمر تلك، والجموع دموعٌ تجيب، وانفاس تنفتح على الحرية، وتشهق وتضحك وتبكي، وتهتف… هللويا! واضطُهد يوحنا بولس، كما بولس، وناضل كما شاوول ليستحق صليبه فيتحقق مجده.

غاب يوحنا بولس الثاني، بعد ان زرع جذوة الحرية في الشرق، وكأن الحصاد الوفير في غرب العالم لم يكفه، لينثر بذوره حيث ولد يسوع، علّ الشرقيين يسقون، وشباب اليوم يحصدون.. وقد هلّل الزرع الوفير للحاصدين.

غاب يوحنا بولس الثاني ليطلّ، قبل ان يطلّ من على قبة روما غداً، على وجوه المشرقيين، من مسلمين ومن مسيحيين، يريدون فيتعلمون فعل الارادة، لأن فيه قوة الحرية.

يطلّ يوحنا بولس غداً من على الشرفة الحبرية، ليلوّح بيمناه للعالم الذي ساهم في تغييره، ليلوّح لأوروبا واميركا، لآسيا وشرق أوروبا، ولكن قبل كل شيء، لهذا المشرق حيث قال القائل يوماً:"روح الرب عليَّ لأنه مسحني، لأدعو المأسورين الى الحرية".

المصدر:
صحيفة الجمهورية

خبر عاجل