عندما جاء لبنان كان الاحتلال يلبسنا. نوّار 1997. كنا قبل بشهور ننتظر زيارته، كمن ينتظر واحة ماء في صحراء. كنا في صحراء الاحتلال، لا حرية، لا علم مرفوع، لا كرامة الا في نضال يتأجج بين الزوايا وفي كواليس الايام.
قبل مجيئه كانت سموم ناس الاحتلال، تبثّ على مدار الساعة بأنه لن يأتي، لان السوريين لا يرحبّون بممثل المسيح على الارض، لما قد تتركه الزيارة من أثر على هؤلاء "السخفاء"، الذين يتجرأون من حين لاخر، ويطالبون بما يسمى بالاستقلال والحرية وما شابه! والاهم من ذلك، لم يشأ ناس الاحتلال والاحتلال نفسه، أن يمنح ذاك البطريرك التاريخي العنيد، صاحب الدعوة، البطريرك صفير، عزّا جديدا يضاف الى مسيرة عزّه ووطنيته. فعلوا المستحيل ليحولوا دون الزيارة. بالارهاب والترويع حينا، بالاعلام كل الاحيان، لكن الله تدخّل بقوة غير عادية. أصرّ البابا، وأصمّ البطريرك اذنيه عن محاولات التفشيل، ومضى في التحضير… وفي 10 نوّار 1997، البابا يوحنا بولس الثاني في لبنان.
للمرة الاولى، أذكر، اننا حملنا أعلام "القوات" مع الاعلام اللبنانية بأعداد كبيرة كبيرة، وأضفنا اليها ولاول مرة أيضا، صور بشير الجميل وسمير جعجع وبعض شهدائنا، ونزلنا بكل شجاعة الدنيا الى الشوارع لاستقباله. نسينا حالنا، وهرعنا خلف السيارة المكشوفة التي أقلّته والبطريرك صفير. لحقنا به من شارع الى شارع، من تلويحة الى تلويحة، من كلمة الى كلمة. افترشنا الليل والنهار في ساحة الحوض الخامس في الكرنتينا، التي حضنت أكثر من مليون لبناني، جاؤوا ليتناولوا جسد المسيح من يديه المقدّستين. شربنا من عينيه نور المسيح، ونحن في كالح الظلام. لحقنا النظرات. لم نصدّق انه سينظر الى عيوننا واحدا واحدا. بكينا، ذرفنا الدمع وذرفنا الضحك لمّا رأيناه. عرفنا حجم قهرنا ولمسنا أيضا حجم الامل رغم كل القهر. عرفنا ان العذراء مريم التي يحبّ، أرسلته الينا ليخبرنا انذاك، ان لبنان سيبقى وسيعود لنا.
كم كان محظوظا من تمكّن من لمس الامان والحنان من طرف يديه. أذكر ان عيناي تشابكت لثوان في عينيه، حيث كان موكبه يخترق ببطء اوتوستراد الكرنتينا باتجاه جونيه، ليتمكّن من القاء التحية على الجميع. عيناه المبتسمتان. الحنونتان. شعاع. شعاع كان يحيط بهما. شعره الابيض الابيض الناعم. ضوء العذراء في اليدين الملوّحتين، وكأنهما تنادينا بالحاح، للصبر للصلاة للتمسك بالايمان. للتشبث بلبنان…. وفي المساء كان اللقاء الالهي في بازيليك حريصا. لقاء الهي، أصرّ. خرق البروتوكول في كل المحطات. لم يبق الى الشرفة كما كان مرسوم له. نزل الى الناس. جلس بينهم. حادثهم. لاطفهم. أرسل اشاراته، كل اشاراته للشبيبة، للتمسك بالقيم المسيحية، وعدم اليأس مهما كانت الظروف صعبة. كان يرسل اشارات المحبة الخالصة، لبلد جعله مذذاك التاريخ، بلد الرسالة التي هي أكبر من وطن. أكد قداسة أرض لبنان مذ وطأتها أقدام السيد المسيح. أعرب عن حبّه لهذه الارض، لمزار السيدة العذراء في حريصا، للانسان في لبنان… مروره امام كنيسة "سيدة النجاة" في اليوم التالي وهو يشق الجموع الى بيروت لاحياء الذبيحة الالهية، شكل محطة مفصلية في حياتنا النضالية حيث تحدينا الطوق الامني ورحنا نصرخ له: هوشعنا، هوشعنا، يا معلم انقذنا، انقذنا لبنان… وكان عناق بالعيون بين المقاوم البولوني وابناء المقاومة اللبنانية.
لم تكن أكثر من ثلاثة أيام، لينهمر نور المسيح فوق الارض وفي القلوب. كنا كالمسحورين تماما. اُخذنا في مجد اللحظات. أخذنا الرجل الذي رأيناه مذذاك الوقت قديسا، ومذذاك الوقت تربّع على قلوبنا قديسا قبل أن يُطوّب رسميا. أخذنا الى غير عالم. تاكّدنا في تلك اللحظات ان الله يسمع الاحرار والصادقين والخاشعين بعمق، حين يتضرّعون له ليساعدهم على تحرير بلادهم من الظلم. كان الله كريما جدا. أرسل لنا اولا البطريرك صفير، ثم البابا يوحنا بولس الثاني. كانت نعمة. نعمة لا أعرف الان اذا كنا نستحقها فعلا!
… ولما غادر لبنان في اليوم الثالث، حلّ الغضب البشري علينا. لم نكترث كثيرا. كنا نعرف ما ينتظرنا، لكن تحمّلناه بقوة وتصميم أكبر أكبر بكثير. اعتُقل من اعتُقل. ضُرب من ضُرب. لوحق من لوحق… كنا نعرف ان القوة التي تركها البابا القديس فينا لم تكن عادية. كنا نعرف وتاكدنا الان، ان يسوع ينظر الينا والعذراء تفتح ذراعيها من أجلنا ومن اجل كل الانسان ومن اجل لبنان، والا لما كان البابا يوحنا بولس الثاني بابا القلوب قديس العالم قديس الشباب رسول الامل. يا الله كم نحبه…