كم كان ملفتاً أن ينعقد المؤتمر العام لاطلاق النظام الداخلي للقوات اللبنانية يومي 29 و30 نيسان وهو الشهر ذاته الذي شهد قبل 17 سنة وتحديداً في 21 نيسان الاعتقال السياسي لقائد القوات سمير جعجع لمدة 11 سنة في أقبية وزارة الدفاع، وكم كان ملفتاً ايضاً أن ينعقد هذا المؤتمر بعد 10452 يوماً على استشهاد مؤسس القوات الرئيس الشهيد بشير الجميّل.
لعلّه ربيع القوات اللبنانية أزهر من معراب كما وعد رئيس الهيئة التنفيذية سمير جعجع في ذكرى حلّ الحزب، وأجمل ما في هذا الربيع هو الشعار البرّاق والرائد الذي اجتمع تحته المؤتمرون " إنسان- حرية – غد " وهو يحمل معان كثيرة أبرزها الرغبة في السلام والانفتاح والتحرّر والتطلع نحو مستقبل زاهر بدلاً من الشعارات البدائية التي استُهلكت في مواقف وبيانات وزارية وتحمل معان حربية ملّ منها الناس لأنها تسمّرهم في القلق والخوف على المصير وآخر هذه الشعارات معادلة " الجيش – الشعب- والمقاومة " بعد مقولة " الصمود والتصدّي " ونظرية " الممانعة والثلث المعطّل".
وهذه الثورة القواتية من الداخل تأتي مترافقة مع الثورات العربية وتتكامل معها لا بل تسبقها من حيث الرغبة في الاطلالة على الرأي العام بحزب قواتي رائد في لبنان والمنطقة، وما الانتخابات المباشرة التي ينص عليها النظام الداخلي للحزب إلا تعبيراً عن طموح القوات على مستوى قيادتها أكثر من قاعدتها بالتحول الى حزب عصري قوامه الديموقراطية وتداول السلطة، في زمن لا تتبدّل السلطة في بعض الدول العربية سوى بالثورات وإسقاط نظام الحزب الواحد الحاكم.وقد كان الدكتور جعجع واضحاً في تأكيده " أن القوات اللبنانية لا يمكن أن تكون حزب الشخص إنما حزب القضية وحزب التاريخ " ،وفي هذا القول المقتضب استعادة لتاريخ طويل من النضال وتمسك بتضحيات كثيرين من الشهداء سقطوا كي يبقى لبنان ويستمر، وعدم تنكّر لتاريخ مشرّف للقوات بالبزّة العسكرية رغم كل الأخطاء التي حملتها مرحلة الحرب، شاء من شاء وأبى من أبى ممن يصرّون على عدم رؤية القوات إلا بمنظار حربي أو بمنظار ميليشيا كانت وتظلّ بعد رؤية تجارب الآخرين السابقة واللاحقة أشرف مقاومة على الارض اللبنانية إنبثقت من رحم الكتائب والاحرار والتنظيم وحراس الارز دفاعاً عن لبنان والوجود المسيحي الحر.وكما يردّد جعجع دائماً " ما بيصح إلا الصحيح " فقد جاء يوم أنصف فيه كثيرون القوات حتى ممن كانوا خصومها بالامس وفي مرحلة الحرب بعدما رأوا أن جعجع لم يتبدّل وأنه كان صادقاً في تحالفاته وأميناً على القضية وحارساً لمسيرة 14 آذار.ويكفي التذكير بأن جعجع لم يهرب يوماً من معركة أو استحقاق ، وهو عندما عندما إنخرط في اتفاق الطائف وافق عملياً على إنهاء الجناح العسكري للقوات وسلّم سلاح القوات الى السلطة التي طوّقته به لاحقاً هو وأنصاره، وحاولت ترغيبه بالوزارة فرفض الكرسي ، وحاولت ترهيبه بالاعتقال فلم يهرب بل واجه السجن ، وفضّل أن يعيش فيه ذاته وقناعاته ولو على مساحة 6 أمتار مربّعة بدلاً من أن يعيش ذاتاً مصطنعة أو قناعات غيره ولو على مدى مساحات الكون برمّته.
اما أبرز خطوة أقدم عليها جعجع بعد خروجه من الاعتقال فهي خطوة الاعتذار الشجاعة التي بادر اليها في ذكرى شهداء القوات في جونية قبل سنتين، وهي خطوة لم يسبقه اليها أحد ، وإن مبادرته الى الاتصال بكل من رئيس " تيار المردة " النائب سليمان فرنجية ورئيس " تكتل التغيير والاصلاح " النائب ميشال عون لتهنئتهما بعيد الفصح بعد لقاء الاقطاب الموارنة في بكركي ليست خطوة فولكلورية كما حاول البعض تصويرها أو التقليل من اهميتها بل هي تعبير عن رغبة صادقة في مساعدة البطريرك مار بشارة بطرس الراعي على إنجاز المصالحة المسيحية المسيحية، وترجمة عملية لما سمعه جعجع من الاب الحبيس يوحنا الخوند.ولعلّ جعجع بادر مرة جديدة حيث لا يجرؤ الآخرون، ولعلّ التاريخ الذي يتحدث عن مساره مراراً سيثبت أن القوات التي اعتقلت في نيسان خرجت أقوى بإنسانها وحريتها وغدها.