من المتعارف عليه عموما انّ الدولة هي الحيثية الجامعة لأبنائها على مساحة ممتدّة تدعى الوطن، وفي ظلّ قوانين تشكّل المظلّة التي توفّر للجميع معادلة الحقوق والواجبات، فينعم المواطنون بالسلام والمساواة والحرية. وكان لبنان، على امتداد مراحل وجوده، يمثّل هذا "النعيم" الذي يرتجيه أهل الجوار الذي تتلذّذ أنظمته بمشاهدة سيول الدم. لكنّ هذه الحالة اللبنانية بامتياز باتت على كفّ الخطر، مع تسرّب أيديولوجيات غريبة عملت، وبشكل حثيث، على ضرب الصيغة المعيوشة واستبدالها بطروحات لا تمتّ الى الحقيقة اللبنانية بصلة.
وقد زرعت هذه العقائد المستوردة نهجا عطّل الشائع العلائقي بين الأفراد، من محبة وأخاء وتضامن ومسامحة وعطاء، وبثّت ما يناقضها بالتحديد من بغضاء وتفرقة وحقد. فتاه الناس على غير هداية، وتحصّنت المجموعات كلّ واحدة في صومعتها وحول "نبيّها"، وناصبت بعضها بعضا العداء والأبتعاد والشرّ. وكانت النتيجة أن تأصّل مفهوم القبليّة في العقول والقلوب، وأظلم فجر الخلاص، وقهقه الشيطان في النفوس.
في ظلّ هذا الواقع المأسوي، تنامت استراتيجية تراجيدية هي استراتيجية القضم. والقضم في السياسة هو الأستيلاء على الكلّ أنطلاقا من الأستيلاء على الجزء، وكأنّ رحلة السيطرة على الدولة تبدأ من وضع اليد على أوّل بقعة صغيرة منها. وهكذا تتمدّد أفعال هدم الموجود ليبنى على أنقاضه موجود آخر، والآلة متوفّرة على صعيد الشكل والمضمون. فالسلاح والمال هما عنصر أساسيّ لفرض الأمر الواقع، وضياع الحس بالمواطنة يؤمّن نجاح الخطة. ويستكمل أصحاب هذه الأستراتيجية نهجهم، تارة تحت غطاء توتير مفتعل يحوّل الأنتباه الى غير مشهد، وتارة تحت جنح الخفاء عندما يكون الناس مخدّرين بهمومهم التي لا تنتهي.
أمّا التكتية الناجحة التي توسّلتها جماعة مشروع القضم، فهي اسلوب العثمانيين في عصر السلطنة: فرّق تسد. لذلك عمد أصحاب القضم الى تأجيج الخلاف بين أجنحة البيت الواحد، بدفق الأموال والأمال للبعض، وبتوزيع الأتهام بارتكاب الخطايا العظيمة على بعضهم الآخر. كل هذا انطلاقا من استعادة الماضي الممجوج والبغيض والملوّن بالدم. فدقّت ساعة أباحة المحرّمات في قلب الصفّ الواحد، ودوّى الهرج الخلافي واستيقظت الأحقاد وشهوات الأنتقام، ما شكّل ستارا ناجحا مطلوبا لعمل "القضميّين" الذين وظّفوا هذه الفتنة بين الأخوة لتغطية مأربهم المشبوه.
لقد بدأ هؤلاء قضمهم عندما هشّموا صورة الدولة وأستباحوا مؤسّساتها وقوّضوا سلطتها، ووضعوا يدهم على جزء من طوائفها، وجيّروا قرار شريحة من المواطنين لأنفسهم، واستقلّوا ببعض من بقع الوطن، واستبدلوا شرعية النظام بشرعتهم الدخيلة، وطوّروا حالة اللاّثبات الوطني لدى الذين غرّروا بهم، ودرّسوا منهجيّة الكراهيّة للدولة لتصبح كابوسا.
فأيّ أسلوب أفعل من هذه السلسلة التي تعمل على أنضاج "الأرض" لتصبح مهيّأة لقبول خطَة أقتطاع الأجزاء تدريجيا، توصّلا الى الهيمنة المطلقة؟ هل يكفي هنا جرس الأنذار؟