
مقدمة كتاب "قنوبين في قلب الله" لجورج حايك:
الجماعات التي سكنت أرض لبنان قبل المسيح على ما ذُكر، أُعطيت- لما ستكون عليه من قوة وإيمان- القدرة على أن تستبق أكثر من معنى من معاني المسيحيّة قبل نشأتها. فقبل أن تتعرض الأرض إلى القيامة، كان يأتي إلى الجبل كل ألف عام طائر من الشرق يحترق فوق إحدى قممه ثم يقوم من رماده بعد ثلاثة أيام، وأيّ قمّة أعلى وأسمى من قمم لبنان الشامخة دائماً وأبداً؟ والدليل إن اسم لبنان ورد أكثر من 72 مرة في العهد القديم من الكتاب المقدس، على أنه أرض اللبن والعسل يفوح منها المرّ والبخور!.
يقول بعض المؤرخين إن لبنان مكوّن من لفظتين: لبّ إيون، أيّ قلب الله. ويا لروعة وادي قنوبين الذي يشعّ في البعيد البعيد من قلب لبنان! سيدني في أوستراليا، أوتاوا في كندا، ريو دي جانيرو في البرازيل، نيويورك في الولايات المتحدة، مكسيكو في المكسيك، أو يشعّ على ما هو أقرب، هنا هنا، بعد الأبيض المتوسط، يشعّ على روما وباريس ومدريد ولندن! ها هو عطر لبنان يفوح من قنوبين لأن قلب هذه الأرض المقدسة هو وادي قنوبين في شمال لبنان بجماله المبُهر، بكنائسه المنُيرة، بشموع مغارة مارينا وعناقيد الزهر في كروم الدير.
جماعة قنوبين يتعاملون مع ربّ الكون مباشرة. آذان قديسي السماء مصغيّة إليهم، وبخور صلواتهم يتصاعد في كل ساعات الليل والنهار، في ذهابهم من البيت وفي عودتهم إليه، تسابيح الربّ في أفواههم وحبوب المسبحة تكرج بين أصابعهم، وكل شيء فيهم يصلّي ويمجّد.
قلب هذا الوادي المقدّس هو دير سيّدة قنّوبين الذي توالى عليه مئات المتعبّدين المسيحييّن، رافعين الصلوات بالسريانية واليونانية والعربية. لكنّ الموارنة وحدهم طبعوه بطابع نُسكهم أكثر من سواهم لأنهم لجأوا إليه ليس للتعبّد فحسب بل طلباً للحماية من الاضطهادات، وفي سبيل العيش بكرامة، ملتزمين فعل الصمود والقداسة.
إنه أقدم دير وأشهر معبد. أصبح معقلاً للبطاركة الموارنة طوال أربعة قرون بعدما انتقل إليه البطريرك يوحنا الجاجي لاجئاً من دير سيّدة ميفوق(1440 م) يرافقه الأساقفة والرهبان، ثم انضم إليهم النسّاك والزهّاد، رجالاً ونساء، وتعاون معهم "الشركاء"، سكّان القرى المجاورة، فاكتملت العائلة الكنسيّة، بحيث أصبحت قنوبين المحجّة الروحية بل "عاصمة الايمان" التي يؤمّها الموفدون البابويّون والسفراء الأجانب وطالبو التعبّد والنسك.
في سيّدة قنّوبين، "دير المئتي راهب"، تجسّدت "الروح القنوبيّة" بأبعادها الأربعة التي وصف بها تيودوريتس أسقف قورش السرياني(القرن الخامس)، رهبان أبرشيته المارونية بالكلمات الآتية:"النسك، حكمة الصليب شغفاً وعشقاً لله، تعلّم الكتاب المقدس وتأمّله، والشهادة له بالحياة والكلمة حتى الاستشهاد". هذه الصفات تبقى نهجاً تجديدياً للمستقبل، يستذكر في جوهره المجمع الفاتيكاني الثاني، مركّزاً على الروح العائلية وحياة الشراكة KOINONIA في الكنائس والأديرة.
في دير قنّوبين، قرع أول جرس في بلاد الأتراك، شاهداً على الإلفة والإنفتاح والحرية. هذا الدير، كان ولا يزال منارة للهداية، يلجأ إليه كل الباحثين عن لقاء الصفاء بين الله والانسان، وبين الانسان وأخيه الانسان.
وأعجب ما طبع به الدير، حياة الزهد التي سادت فيه طويلاً وتطويع صخور المنحدرات وتحويلها جنائن معلّقة. فالصلاة والصوم والتعبّد وارشاد القاصدين من الزوّار، والكرّازة في القرى المجاورة لم تكن تنقطع أو تعرف حدود الوسط. أما البطاركة الذين اقاموا فيه، فهم "من ذهب حتى لو كانت عصيّهم من خشب"، ولا عجب ألاّ تُبلى أجساد بعض سيّاح الله هؤلاء، شهادة عن براءة الطبيعة أو القداسة أو كلتيهما معاً.
دير سيّدة قنّوبين هو "قلب الله"، تشعّ منه الأنوار ويتجلّى فيه حضور الله مع الملائكة والقديسين. لأجل كل ذلك، كنت أشعر بتهيّب عميق عندما قررت أن أخوض تجربة إعداد كتاب عن دير سيّدة قنوبين، فرسمت إشارة الصليب، ومشيت إلى ذاك المكان المزنّر بذراعي الله، متلمّساً أخباره وترابه وعقوده الخاشعة إبتهالاً.
قنّوبين دير الكنائس الكثيرة وكنيسة القديسين، حيث اتكأت شمس الإيمان على نوافذ قلاّياتهم. هنا سكن السائر على طريق القداسة، البطريرك اسطفان الدويهي، علامة الدهر وعلامة انتصار الموارنة على الجهل والظلم.
هنا يرقد، رعيل من بطاركة ونسّاك وقديسين، صلواتهم صدى الأبدية في نفوسنا وشفاعتهم ملاك حارس.
من هنا، من هذا الدير بالذات، إنطلقت شرارة نحو كل لبنان حيث اشتعلت لدى ملامستها السماء. ومن هنالك، من عند الله أضاءت العالم بكامله، وإذا بشعب قنوبين اليوم، في هذه اللحظات، يشغُل العالم برجاله العظام، مفكّرين ومثقفين وأطباء ومحامين ومهندسين ورجال أعمال وفنّانين وحرفيّين…
لنقل المجد لله في قنوبين، لنقل بكل فخر لمن يؤمّون هذا الدير: إخلعوا نعالكم لأن الأرض التي تطأونها أرض مقدّسة. نعم أرضنا مقدسة، أنبتت على مرّ العصور الشهداء والقديسين.
في دير سيّدة قنّوبين، تتلاشى في عينيك أمور عدة كنت تحسبها مهمة وأساسية في حياتك: تنجلي لك قيمة العزلة والصمت والتأمل في كنيسته وأروقته وساحته، كذلك تنكشف أمامك قيمة الصلاة الشخصيّة والجماعيّة في لقائك مع ذاتك، مع القديسة مريم والربّ يسوع.
هنا تدخل مدرسة الصلاة التي نمت في التراث الرهباني العريق، مدرسة الحبّ العميق الذي حوّل البسطاء والضعفاء، عظماء أشدّاء وقديسين.
سرّ الصلاة يكتشف في قلب قنّوبين، في قلب الله.
هذا الكتاب هو رحلة حجّ إلى عمق الزمان، للإصغاء إلى همسات الطبيعة تروي لنا ابتهالات وتضرّعات الأوائل الذين أدمنوا مخاطبة الله في دير حباه من التقوى والإيمان والصمود في وجه الأعداء، مقادير تفوق التصوّر.
القسم الأول يتضمّن سفراً موغلاً في تاريخ الدير عبر فصول "منذ فجر التاريخ" و"في عيون الرحالة الأجانب" و"بطاركة من ذهب" و"قديس قنوبين". أما القسم الثاني، فهو رحلة استكشاف لمعالم الدير من خلال فصول "صعوداً نحو…الوادي"، "الدير: قطعة من السماء"، "مواسم الترميم والأيام النسكية"، "يوم في بيت قنوبيّ" و"تحت سمائه روحانية لا تخبو".
من الدير النسكي الرسولي انطلقت لأتفحّص معالمه اللصيقة بالصخر، متضرعاً إلى ربّ الكون كي يصونه. تخطّيت الزمان وتدثّرت بالمكان جوّالاً على أقسامه، محاولاً التوغل في تاريخه، متلمّساً نقاء رسالته وثقة مؤمنيه بالبطاركة الأبرار الذين ذادوا عن مجد لبنان. في عزلة الدير وصمته، تتعلّم الصبر والاحتمال والتواضع والوداعة والطهارة والمحبة.
في عزلة الدير، تدرك معنى الكفر بالذات، وتفهم حقيقة كلام المسيح:"إحملوا نيري، وتتلمذوا لي فإني وديع متواضع القلب، تجدوا الراحة لنفوسكم، لأن نيري لطيف وحملي خفيف"(متى 11: 29-30). كل شيء هنا خاشع يصلي، صلاة لا يستطيع التفوّه بمثلها إلاّ السكارى برحيق حبّ الله.
ما إن تصل إلى مشارف الدير حتى تشعر بالحضور الالهي. تتعطّل حواسك الخمس لتنتقل إلى حالِ انخطاف كليّ، فلا يعود يشغلك سوى تمجيد الله وتسبيحه. وعندما تتجوّل في زواياه، تهبط عليك الإلهامات الإلهية، فتضمّد جراحك الخفيّة وتشفي كلومك السريّة.
أمام هذا الدير العريق، قدس الأقداس، يطيبُ لك أن تحرق أشواقك بخوراً ينضح من خفقات قلبك ليعانق بخور ناسك ناجى ربّه بين جدرانه، لبلوغ دارة البقاء. فكم نحن اليوم، كمسيحيّين، بحاجة إلى خلوة في قنّوبين ومصارحة مع الله الساكن هنا، فنسترشد به الطريق القويم ونطلب عونه…
فلنأتِ إلى دير سيّدة قنّوبين حيث ترقد القداسة متوّجة بالنعم والعجائب الباهرة.
فلنأتِ إلى حيث تسري الرعشة في العروق والأبدان متدفئة بخشوع الصلاة.
فلنأتِ إلى حيث تشمخ الأجراس فوق القمم والمنبسطات.
فلنأتِ إلى حيث تتواضع المناسك والصوامع في نحاريب الصخور ومعاقل الوديان.
فلنأتِ إلى موطئ قدميّ الله في جبل الأرز المقدس.
فلنأتِ إلى قنّوبين حيث ترعرع البطريرك المكرّم اسطفان الدويهي، ورضع حليب التقوى والقداسة الموروثة والمتراكمة منذ أجيال وأجيال.
السيرة الذاتية لجورج حايك
ولد في 12 شباط 1971 قي الأشرفية- بيروت.
حائز اجازة في الحقوق من الجامعة اللبنانية.
يمارس مهنة الصحافة منذ عام 1990.
كتب في عدد من الصحف والمجلات المحلية
والعربيّة قبل ان يتفرّغ لاحقاً للعمل في
صحيفة "النهار" وملاحقها ولا يزال.
شارك في اعداد وتقديم برامج تلفزيونية
عديدة.
أبرز مؤلفاته:
وادي قاديشا من الأعماق غلى القمم
نساك لبنان لقاء السماء والأرض
التأمل من وحي شربل
فنانون من لبنان
القوات اللبنانية في مواجهة التاريخ
بشير الجميل تاريخ في رجل
