#adsense

صمت مُريب في لبنان وانكفاء عن المشاركة في صنع العالم العربي الجديد

حجم الخط

صمت مُريب في لبنان وانكفاء عن المشاركة
في صنع العالم العربي الجديد

"يكفينا سمير قصير واحد"، قال أحد أبرز الكتّاب السياسيين في لبنان لمن سألوه لماذا لا يكتب عما يجري في الدولة المجاورة بعد أيام على اندلاع الشرارة في درعا. عَكس الرجل بذلك نزعة طبيعية لدى البشر الى الابتعاد عن الخطر. والواقع ان اللبنانيين اعتادوا سنوات طويلة عدم التجرؤ على تناول ما يتعلق بنظام الأسد، الأب كما الابن. كان أنسي الحاج يقول ان انتقاد الممثلين والتقنيين والموسيقيين مسموح في هذه المسرحية التي اسمها حرب لبنان أما المخرج فممنوع التلفظ باسمه تحت طائلة عقوبة القتل. ويروي أحد السياسيين اليساريين العتاق أنه قال لوليد جنبلاط، بعيد نجاح "ثورة الأرز" في فرض أجندتها على النظام السوري وحلفائه في لبنان ان عليه "ضبط حيوية هذه الثورة". وذكّره بأن والده كمال جنبلاط "رحمه الله حمل مشروع تصدير الديموقراطية والتغيير الى دول العالم العربي فكلفت الأنظمة العربية أحدها، الأقرب الى لبنان بتصفيته. اليوم أيضاً لا نستطيع تحمل تبعات اثارة تطلعات تغييرية محفوفة بالأهوال وتتجاوز بلادنا الصغيرة ". بعد أسبوع على هذا الكلام قتلوا سمير قصير، يقول الراوي. حديث السياسي اليساري يكشف أحد أسرار تراجع اندفاعة 14 آذار 2005 بقيادة جنبلاط أخذ يقودها الى "تحالف رباعي" مع "حزب الله" على أمل لبننته، لبننة حلم بها الجنرال ميشال عون معتقداً بتحققها من خلال "وثيقة التفاهم"، فأفضت الى مجرد تحالف من غير لقاء على مضمون مع الحزب وحلفائه من حلفاء سوريا في لبنان.

كانت نظرية سمير قصير أن ربيع الحرية في بيروت لا يمكن أن يستمر اذا ظل محاصراً بأنظمة ديكتاتورية، ورأى في ما يشبه رؤيا المثقف المناضل شالات انتفاضات الحرية والديموقراطية في جامعات القاهرة ودمشق وبير زيت وسواها، وتظاهرات ومخيمات اعتصام في عواصم العرب. هل كان يجب أن تمر ست سنوات على اغتياله ليحصل ما يجب أن يحصل في غياب اللبنانيين بل غيبوبتهم، لحظة استفاقة العرب على القيم التي كان لبنان الصغير أول من طبقها ودعا اليها وقاتل أبناؤه، ودفعوا الغالي والرخيص في سبيل حمايتها؟

الحال ان تطورات تسارعت في سوريا الدولة الأقرب بكل المعاني لم تلق في لبنان الا وجوماً وصمتاً مريبين في الأوساط السياسية والصحافية والاعلامية حالا دون ابداء التعاطف حتى مع ضحايا للنظام تعاطف معها رئيسه بشار الأسد فوصفها بالشهداء. وبعضهم لا يزال حياً في المعتقلات أو داخل حصار يبدو للبنانيين في الصين الشعبية، ساحة تيان – ان – مين في الزمان والمكان. يدرك اللبنانيون مع ذلك أن عالماً عربياً جديداً يتمتع بديموقراطية ويقوم على دول ذات أساسات قانونية مدنية لا تيوقراطية كما هي اسرائيل، هو عالم واسع يحظى فيه الجميع بأمكنتهم ويعزز مصالحهم في الأمن والازدهار في كل المستويات. وفي ظل الانكفاء عن ابداء الرأي وحده "تيار المستقبل" برئاسة سعد الحريري متحدثاً باسم غالبية السنّة في لبنان يوحي تصرفه أنه "التقط اللحظة السياسية" فربط بمعارضته المُعلنة والواضحة مع الجو العام السائد الدول العربية. ساعده من حيث لم يكن يدري ولا يريد "الهام" هبط على خصومه في "حزب الله" خلّصه من تبعات السلطة في الوقت الذهبي المناسب. بالتأكيد سعد الحريري هو الأكثر المرتاحين الى وضعه تألفت حكومة نجيب ميقاتي أم أُجهضت تكراراً. أما غالب الشيعة بقيادة "حزب الله" فموقفهم محسوم مع تحالف لطهران- دمشق في مهب الاهتزازات، وغالب الدروز بقيادة جنبلاط وعموم المسيحيين بتنوع قياداتهم اما يلتزمون الصمت واما يُظهرون قلقاً حيال التغيير في العالم العربي، تغذيه مواقف لبطريركهم الجديد مار بشارة بطرس الراعي تدعو الى الانفتاح لكنها تمارس الانكفاء والاكتفاء بالتفاف المسيحيين بعضهم على بعض (لقاء القادة الأربعة "الروحي" في بكركي) وبلسمة جروح مضى عليها 30 عاماً وأكثر، وممارسة سياسة محلية ضيقة بدل التوجه الى المستقبل والمشاركة بفاعلية في صنع العالم العربي الجديد.

المصدر:
النهار

خبر عاجل