كتبت هدى شديد في صحيفة "النهار": ما ان لاحت في الأفق بوادر حلحلة لعقدة وزارة الداخلية، حتى تبدّدت كل الآمال بامكان خروج التشكيلة الحكومية من عنق الزجاجة مطلع الأسبوع الحالي. فوفق المعلومات المتوافرة من الجهات المعنية، أن أحداً من المعنيين بهذه العقدة لم يبدّل موقفه، ولا قبل بتسوية وسطية. فكل الاقتراحات وبدائل الاقتراحات سقطت، وفق ما يؤكده المقرّبون من بعبدا والرابية. والجميع مقتنعون أن حقيبة الداخلية ليست العقدة الوحيدة المتبقية في طريق جلجلة التأليف، فهناك أيضاً توزيع الحقائب الأخرى التي لم يتمّ الاتفاق عليها، ولا تمّ التطرّق اليها بعد، ومنها وزارات الطاقة والاتصالات والاعلام والتربية وغيرها. وهناك أيضاً قضية الاتفاق على ممثّل المعارضة السنية السابقة، ولم يبحث بها أحد بعد. ووفق أحد الوزراء السابقين المعنيين بهذه العقدة المستترة، لا حكومة قريباً، ولا حتى في المدى المنظور، وكل الأسباب الداخلية، وهي كثيرة، ولم يحسم أي منها، ليست وحدها الحاجز الذي يقف سداً في وجه التأليف، بل إنها تشكّل كلها ذرائع متتالية يستفيد منها من يعمل لأسباب خارجية، أو بوحي وصايا خارجية تمنع التأليف في هذه المرحلة. ويؤكد الوزير السابق أن سوريا أبلغت حلفاءها وأصدقاءها أنها تفضّل تأليف الحكومة سريعاً، من دون ان تسمح لها همومها الداخلية بالخوض في التفاصيل.
ويعود نجل الرئيس عمر كرامي فيصل، الى ما قاله والده قبل شهر تقريباً، أن "الضوء الأخضر لم يأت بعد". وعندما سألته "النهار" من أين ينتظر الضوء الأخضر، أجاب: "اسألوا الرئيس المكلّف". وأضاف: "كل المواقف كانت واضحة ومعلنة من الأساس، ولا شيء مفاجئاً. ومن دخل ساحة التكليف كان يعلم ما ينتظره". واستغرب فيصل كرامي كل ما يتمّ تداوله في الاعلام عن الطلب الى الرئيس كرامي تسمية ممثل سني له من منطقة عكّار او غيرها، وقال: "لم يتكلّم معنا أحد، ولا عرض علينا أحد شيئاً. وما علاقتنا نحن بالتسمية؟ هل حلّت كل العقد الحكومية الأخرى ولم يبقَ الا هذه العقدة؟". وختم: "كل ما نشهده يظهر خفّة في التعامل مع قضية بحجم بلد ينهار كالتايتانيك".
في موازاة ذلك، بدأ عامل الوقت يضغط على فريق الأكثرية، كما على الرئيس المكلّف نجيب ميقاتي، ويأكل من رصيدهما السياسي كلما ظهرت الى العلن عقدة حكومية تبيّن لاحقاً أنها ليست وحيدة، بل تستتبعها عقد اخرى بالجملة والمفرّق، حتى أن كل فريق الأكثرية الجديدة يتساءل عن السرّ الكامن وراء هذا العجز المبكّر وعدم القدرة على تسلّم زمام السلطة الجديدة. وبعض هذا الفريق يسأل عن سرّ عدم مبادرة "حزب الله" الى الحسم، أو الى "المونة" على النائب العماد ميشال عون، كما جرى في مرات سابقة، من أجل تسوية تنقذ الأكثرية الجديدة وسلطتها. كما يتساءل بعض هذا الفريق المربَك: هل يريد "حزب الله" فعلاً تشكيل حكومة، أم أنه يرى في الفراغ الحكومي الحالة المثلى المتوافرة، او الأقلّ ضرراً في التعامل مع قضايا اقليمية ودولية معيّنة؟ واذا انهارت عملية التأليف ومعها التكليف، هل يكون هناك مرشح سني آخر قادر على تأمين الأكثرية المرجّحة مع الفريق الحالي؟ وهل من سني آخر يقبل بالنزول تحت السقف الذي وضعه الرئيس ميقاتي كاطار لمهمته الدستورية؟ كلها أسئلة تتواتر لدى الفريق الأكثري، وليس من طرف فيها يملك جواباً عن أي منها. لكن ثمة معلومات أكدت للـ"النهار" من مصادر مقرّبة من الرئيس المكلّف، أن صبره بدأ ينفد، وأنه بدأ البحث عن طرح بديل اذا استمرّ زرع العقد في طريقه، واذا لم تنجز تسوية مقبولة تشمل كل أطراف الأكثرية الجديدة، بما في ذلك بعبدا والرابية، والفريق السني الآخر داخل الفريق الحليف. وليس صحيحاً أن الرئيس ميقاتي سيعتذر، وفق المصادر المقرّبة منه، ولن يكون في امكان أحد دفعه الى ذلك. ولكنه في المحصّلة، سيصل الى تقديم تشكيلة حكومية بالتوافق مع رئيس الجمهورية ميشال سليمان تكون تشكيلة أمر واقع، تبقى فيها حقيبة الداخلية ورقة في يد رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء المكلّف، وتأخذ بطبيعة الحال مطالب العماد عون في الاعتبار، وخصوصاً في موضوع الحقائب الأخرى، كابقاء وزارة الطاقة مع الوزير جبران باسيل مثلاً، واعطاء المعارضة السنية السابقة وزارة، لا تكون لفيصل كرامي، بل لشخص آخر.
وتؤكّد المصادر أن هذا هو الخيار الأخير الذي يدرسه ميقاتي، ولن يكون بعيد الأمد،حتى وإن لم تنل تشكيلته هذه الثقة في مجلس النواب، ليتحمّل كل طرف مسؤوليته في النهاية. وتنفي المصادر في الوقت عينه، كل ما نقل عن ان الرئيس ميقاتي لم يقدّم حتى الآن أي تشكيلة حكومية، واصفة هذا الكلام بالـ"الكاذب".