اخيراً رصاصة في الرأس. ذلك الرأس الذي أرهب رؤوساً كبيرة وكثيرة ودوّخها في أقوى دول العالم: أميركا وأوروبا إضافة الى عواصم كثيرة في آسيا وأفريقيا.
رصاصة في الرأس أنهت حياة أسامة بن لادن، الرجل الذي أسس "القاعدة" وشن حرباً لا هوادة فيها ضد أميركا والغرب، كما أنها قصة الرجل الذي تحوّل أسطورة منذ عشرة أعوام، وتحديداً منذ "غزوة نيويورك" في 11 أيلول عام 2001. وإمعانا في إسقاط هذه الاسطورة حرصت أميركا على نقل جثة بن لادن لتعلن ان فحوص الـ"D.N.A" أثبتت أنه قتل أخيراً فلا مجال للنفي والأساطير! لكن هذه الرصاصة ستشق طريقين:
أولاً: طريق سياسية ستسهل على الرئيس باراك اوباما تجديد ولايته، وقد بات هذا الآن من شبه المؤكد، وهو ما لم يكن مضموناً على الاطلاق، سواء بسبب تراجع شعبيته، أو بسبب وقوف قوى الضغط الصهيونية ضد هذا التجديد، الذي قد يجعله قادراً على ممارسة ضغوط أشد لتحقيق تسوية في الشرق الاوسط.
ثانياً: طريق دموية تتمثل في العمليات الانتقامية التي ستنفذها عناصر "القاعدة" المنتشرة والنائمة في أمكنة كثيرة من العالم والتي ستستهدف الاميركيين والمصالح الاميركية في ميادين الحروب القائمة الآن ضد الارهاب وفي أي أمكنة اخرى. كما ستستهدف النظام في باكستان، لأن من المؤكد ان هذه العملية لم تكن لتتم من دون تعاون الاستخبارات الباكستانية.
وعندما يعلن اوباما تحقيق العدالة بمقتل بن لادن المطلوب الاول في العالم، فإن ذلك لا يعني وقف الحرب على الارهاب، كما قال جورج بوش، الذي وصف العملية بالانجاز المهم، لكن القتال مستمر ضد الارهاب. ستبقى هذه العملية "الفائقة الحساسية في مجال الاستخبارات"، كما اعلن بداية في باكستان، واحدة من اكبر عمليات القتل إثارة ودوياً في التاريخ. ثم انها بالتأكيد افدح عملية قتل عرفها العالم، قياساً بما كلفت من دماء وحروب قبل ان يتحول اسامة بن لادن جثة. فليس سراً انه منذ بثّ ذلك الشريط الذي تحدث فيه عن مسؤولية "القاعدة" عن "غزوة نيويورك"، شنت أميركا مع تحالف دولي، حرباً على الارهاب بدأت في افغانستان وامتدت في بعض عملياتها الميدانية الى باكستان. ثم كانت حرب العراق، وكل هذه الحروب أنهكت الاقتصاد الاميركي وأسفرت عن وقوع مئات آلاف القتلى ولكن من دون ان تتمكن الاستخبارات الاميركية مدى عشرة أعوام، من ان تصل الى بن لادن لقتله! الآن بعد قتله، ليس من الضروري الاعلان ان الحرب مستمرة على الارهاب، فهذا تحصيل حاصل، لكن ذلك يساعد في بقاء نظرية بن لادن عن مسألة الفسطاطين، التي ذهبت الصهيونية بعيداً في استغلالها لتعميق الشرخ بين دول الغرب والعالمين العربي والاسلامي، بل المهم هو ان تبحث أميركا عن مداخل لإصلاح الامور بينها وبين المسلمين عموماً، وخصوصاً في مرحلة التغيير التي تجتاح المنطقة، ولعل المدخل المؤاتي الآن هو البوابة الفلسطينية بعد مصالحة "فتح" و"حماس".