#adsense

حكاية الإشعاعات النووية على لسان الهيئة اللبنانية للطاقة الذرية: لا داعي للقلق… ما وصل إلينا يبلغ خطره الصحي صفراً

حجم الخط

كتبت منال شعيا في صحيفة "النهار": اليابان آخر العالم، هكذا كان يقال. انما اليوم يشعر اللبناني متوجسا بان اليابان قريبة، لكثرة ما يشاع عن اشعاعات نووية، قد تكون وصلت الينا بعد انفجار المفاعل النووي في فوكوشيما. والسؤال، هل فعلا لبنان متأثر سلبا بما حصل في اليابان؟

في لبنان، مرجع رسمي مختص اسمه الهيئة اللبنانية للطاقة الذرية التي تدرس منذ مدة الاشعاعات النووية وتأثيراتها، وفي الآونة الاخيرة فعّلت نشاطها.

في اول حديث له، بعد عودته من فيينا، يشرح مدير الهيئة بلال نصولي الموضوع من بداياته. يفنّد المسألة. يقوّم الاضرار. ويستخلص النتائج، ليصل الى تطمين اللبنانيين الى ان "لا شيء يدعو الى القلق في لبنان، لا بل ليس هناك من اجراءات ينبغي اخذها. فالوضع سليم".
نصولي الآتي من فيينا بعد مشاركته في مؤتمر في هذا الاطار، ينطلق في قراءته من التمييز ما بين اشعاعات طبيعية واخرى مضرّة. الاولى تكون عبارة عن مواد مشعة طبيعية في التربة والهواء، والثانية عن نويدات صناعية قد تنشأ من تسرّب في قلب المفاعل.

يقول نصولي: "المفاعل النووية تكون عادة تحت تشديد موصوف وحماية لافتة، لا سيما ان معاهدة الامانة النووية التي وقعت بعد تشرنوبيل، تفرض 19 مرحلة قبل الوصول الى انشاء المفاعل، وبالتالي، فان انشاء المفاعل ليس لعبة او موضوعا سهلا، من هنا، نجد ان بعد ازمة اليابان، ساد قلق كبير من المفاعل، الى درجة ان عددا كبيرا من الدول اصبحت تعيد النظر في هذا الواقع".

مشكلة فوكوشيما، وفق نصولي، انه حصل تسرّب للاشعة، وفي شكل عام فان تأثيرات هذه الاشعة على الانسان تكون خارجية وداخلية. في التعرض الخارجي، تكون النويدات المشعة في الهواء والاكل او عبر اقتحام الجسم من خلال الجروح. وقد تظهر بقع على جلد الانسان وترتفع حرارة الجسم، مما قد يؤدي الى حروق، فسرطان في الجلد. اما التعرّض الداخلي فيكون نتيجة الطعام، اذ تستوطن النويدات في بعض الخلايا ، وتؤدي الى عدم انتظام في حالة الجسم.

ولكن هذه المقدمة لا تعني اطلاقا ان هذا ما سيحدث مع اللبنانيين وليس ايضا مع اليابانيين، لانه وفق الارقام والعلم، يشرح نصولي، ان الانسان اذا كان لا يتعامل مباشرة مع المفاعل النووية، يمكنه التعــــــرض للاشعاعات كمجموع عام يبلغ 1MCV سنويا، يأخذها مجتمعة من الاشعاعات الطبيعية والاكل والهواء والماء والتعرض الطبي، اي السكانر وغيرها.

اما الانسان الذي يتعامل مع المفاعل نتيجة عمله، يحق له التعرّض لمعدل يبلغ MCV 20 سنويا.

ما يطمئن، حتى اليوم، ان لا اخلاء تمّ في اليابان، الا في محيط محدود. ويوضح نصولي ان "الاشعاعات تسير، مثل نقطة حبر حمراء تتمدد في الماء، فتتبعثر. هكذا، هي الاشعاعات، تنتقل وفق حركة الهواء واتجاهه، وتكون الغيمة مؤلفة من غاز وغبار".

الغيمة إلى لبنان

بعد هذا "التشريح"… الغيمة وصلت الى لبنان. ماذا اذاً عن التأثيرات؟
بوضوح، يفسر نصولي، ان "الغيمة وصلت. هي كرائحة الدخان التي تنتقل من مكان الى آخر، وتخف رائحتها او تكاد تختفي وفق الهواء. بهذه البساطة، انتقلت الاشعاعات النووية الينا".

لهذه الاشعاعات عمر، منها ما يعيش اكثر من الف سنة، ومنها يوما او حتى ساعات ودقائق، وغالبا ما يحتسب نصف عمرها، اي انها تبدأ بالاختفاء الى النصف كلما بلغت نصف عمرها المحدد، اي اذا كان نصف عمرها ثمانية ايام، فهي تفقد النصف بعد تلك الفترة.

انما ما سبّب في الاكثار من الضجة في لبنان، وفق نصولي، هو ان اسرائيل اعلنت انها رصدت اشعاعات نووية آتية من اليابان، الا ان مدير الهيئة اللبنانية، يسأل: "لماذا كل هذا الهلع، ولماذا نأخذ اسرائيل كمرجع، ولا نأخذ مثلا اليونان الذي رصد اليود المشع 131 في الهواء والمياه والتربة، والذي يبلغ نصف عمره ثمانية ايام، والذي يبلغ خطره الصحي صفراَ! لا بد من القول ان لا خوف ابدا، وخصوصا انني اعتقد ان اسرائيل تلعب دور الضحية كما اعتادت دائما، من اجل تعويضات وغيرها".

في لبنان، تقوم الهيئة اللبنانية للطاقة الذرية ومنذ ثمانية اعوام، بكشف الاشعة في الهواء والتربة والماء والحشائش والمواد الغذائية، وفي كل المناطق، من الجنوب الى الشمال الى البقاع، وصولا الى قلب بيروت وجبيل واقليم الخروب، وبالتالي ثمة data base لديها. لذلك، انطلقت الهيئة اخيرا، وتحديدا منذ 1 نيسان الماضي، ووزعت فريق عمل في مختلف المناطق، مزودا بكواشف للاشعة، عالية الحساسية، وتبين ان لا تغيير في المعطيات التي سبق للهيئة ان كونتها، والاهم انه بعد الشتوة الاخيرة في لبنان، اخذ الفريق عينات من مياه الشتاء والتربة والاعلاف والمياه السطحية، وتم التوصل الى النتيجة الآتية: ثمة يود مشع 131 ، بنسبة 0,5 بكرل، ولاحقا بلغت النسبة 0,3 بكرل، اي ان النسبة تنخفض، والاهم ان هذا اليود يبلغ نصف عمره ثمانية ايام، وبالتالي، ما من مبرر ابدا للقلق. وما من اثر سلبي على الصحة، والاهم ان ليس هناك من اجراءات احترازية يمكن ان تؤخذ".

غذاء وثياب وسيارات!

لعلّه من فوارق القدر ان يكون مدير الوكالة الدولية للطاقة الذرية يابانيا، وربما من حسن حظنا ان الزلازل وقعت في اليابان، اي في دولة تحترس وتترقب وتعرف كيف تدير الكارثة! اما الى اي مدى يجب على لبنان ان يبقى يترقّب النتائج؟

يجيب نصولي: "هذا الواقع مرتبط بمدى التطور على المفاعل، ووفق درجة التلوث العالية، الا ان ثمة اتجاها الى ضبط الازمة، على الصعيد البيئي وتلوث المياه، ونحن كهيئة لبنانية مستمرون في الرصد". واللافت ايضا انه بين شهري حزيران وتموز المقبلين، يعلن نصولي ان الهيئة ستضع وبتمويل من الوكالة الدولية للطاقة الذرية، خمس شبكات انذار مبكر للمواد المشعة والنووية، وفي السنة 2012 سيرتفع العدد الى عشر شبكات، الامر الذي يدعو الى الاطمئنان اكثر. وبمزيد من التفصيل اكثر، ماذا عن الغذاء المستورد من اليابان والثياب والسيارات والآلات الكهربائية وغيرها؟

من المعروف ان وزير الزراعة حسين الحاج حسن اخذ قرارا بوقف الاستيراد من اليابان، علما ان الدول المجاورة لليابان لم تأخذ مثل هذا التدبير، الا ان هذا الحل يمكن ان يكون موقتا، لانه من غير الجائز ان يبقى الباب مقفلا الى اجلّ غير مسمى، او ان يفتح بلا رقيب وحسيب. لذلك، فان الافضل، وفق نصولي، يكون عبر " السماح باستقبال المواد الغذائية التي تحمل فقط شهادة فحص من احد المختبرات المعترف بها في اليابان، والتي تثبت خلو هذه المواد من الاشعاعات، لا سيما ان اليابان تتمتع بصدقية عالية، كما ان الهيئة مستعدة لتحليل المواد وفحصها. اما في ما يتعلق بالسلع الاخرى غير الغذائية، فان قرار وزارة الاقتصاد جاء منطقيا عبر منع استيراد كل البضائع، باستثناء تلك الممهورة بشهادة فحص تثبت خلوها من الاشعاعات".

هذه هي قصة الاشعاعات من الالف. حتى اللحظة، لا داعي للخوف. اذ يكفي اللبناني ما يفكر فيه من ازمات وهموم، وبالتأكيد لا تنقصه هموم الاشعاعات!
 

المصدر:
النهار

خبر عاجل