كتب عمر البردان في صحيفة "اللواء": المأزق الذي تواجهه عملية تشكيل الحكومة بعد أكثر من ثلاثة أشهر على التكليف، يُظهر بوضوح أن حجم العقبات الذي يعترض الرئيس المكلّف نجيب ميقاتي كبير أكثر مما يتوقعه البعض، ما يُشير إلى أن الولادة مستبعدة في المدى المنظور، بالرغم من الحديث عن إمكانية تجاوز عقدة وزارة الداخلية بإسنادها إلى شخصية محايدة، وإنما قريبة من رئيس الجمهورية ميشال سليمان ورئيس تكتل التغيير والاصلاح النائب ميشال عون.
المعطيات المتوافرة لـ "اللواء" من مصادر موثوقة تُشير إلى أن أي اتفاق حول "الداخلية" لم يحصل بعد، سيّما أن المواقف لا تزال متباعدة بين "بعبدا" و"الرابية" ولا يقتصر الخلاف بين الرئيس سليمان والنائب عون على هذا الملف وإنما يتعداه الىملفات أخرى تعكس مدى التباعد في نظرة الرجلين إلى مقاربة المسائل الخلافية المطروحة، وإلى طريقة سير عمل المؤسسات، ما يجعل التفاهم بينهما صعباً، الأمر الذي من شأنه إطالة عمر أزمة التأليف وإبقاء الوضع مفتوحاً على شتى الاحتمالات، في ظل انعدام قنوات الحوار بين رئيس الجمهورية ورئيس التيار الوطني الحر، وإخفاق الوساطات لتقريب وجهات نظرهما حيال القضايا المطروحة.
وتقول المعلومات أنه انطلاقاً مما تقدّم لا يبدو منسوب التفاؤل كبيراً بإمكانية تخطي الأزمة الحكومية، على اعتبار أن مشكلة "الداخلية" ليست وحدها التي تعرقل الجهود الجارية لتأليف الحكومة، وإنما هناك من وجد الفرصة مؤاتية الآن للإنقضاض على الرئيس سليمان، لتصفية حسابات قديمة، بحجة وزارة الداخلية، والسعي تالياً إلى النيل من مقام رئاسة الجمهورية، والإساءة إلى الدورة الذي يقوم به الرئيس سليمان بهدف التحريض عليه، وهذا ما يظهر من خلال الدعم الذي يحظى به النائب عون في أوساط حلفائه، سيما "حزب الله" وحركة "أمل" وجماعات سورية في لبنان، في ما يتعلق بالشروط التعجيزية التي يضعها للموافقة على المشاركة في الحكومة، وهذا الأسلوب الذي يستعمله رئيس "التغيير" مدعوماً من قوى 8 آذار في التعاطي مع الاستحقاق الحكومي، إنما يريد من خلاله التصويب على الرئيس سليمان لإضعافه وإظهاره بأنه لم يعد يقوم بالدور المطلوب منه على رأس الجمهورية، وأنه تحوّل الى طرف بدلاً من أن يكون حكماً بين اللبنانيين، من خلال المطالبة بحصة وزارية، فيما الحقيقة هي أن رئيس الجمهورية يريد أن تبقى "الداخلية" في عهدته، كي لا يتسلمها أحد الأطراف الذي قد يستخدمها في تأجيج الصراع الداخلي على حساب وحدة اللبنانيين وتضامنهم.
ولا ترى مصادر متابعة لمجريات عملية التشكيل أن هناك بوادر حل من شأنها إحداث كوّة في جدار الأزمة الحكومية التي دخلت شهرها الرابع، لأن المواقف لا زالت على حالها، ولم يحصل أي تقدم جدي قد يفضي إلى التعجيل في مسار التأليف وإعلان الولادة قريباً، وما كشف النقاب عنه من محاولة لحل عقدة "الداخلية" بإسنادها إلى شخصية عسكرية محايدة، ما هو إلا مجرد اجتهادات من قبل بعض الجهات لمعالجة الأزمة القائمة، والتي لا يظهر أنها سائرة نحو خواتيمها السعيدة، في ضوء تشبّث كل فريق بمواقفه وعدم استعداده للتنازل عنها.
وإذا كانت الأوساط القريبة من رئيس الجمهورية تحمّل رئيس تكتل التغيير والاصلاح مسؤولية التأخير في تشكيل الحكومة، جراء الشروط التي يضعها، وسعيه إلى إضعاف مقام الرئاسة الأولى، فإن مصادر نيابية في التيار العوني تعتبر أن ما يؤخّر الولادة الحكومية هو إصرار الرئيس سليمان على استهداف النائب عون من خلال رفضه التنازل عن حقيبة الداخلية، وعدم إقراره بالحق الشرعي لرئيس التيار الحر في الحصول على 12 حقيبة وزارية في التشكيلة العتيدة، لا بل أن الرئيس المكلّف يتحمّل الجزء الأكبر من الأزمة القائمة بوقوفه إلى جانب الرئيس سليمان في مواجهة النائب عون، وإصراره على التنكّر لحق عون في الحصول على حصته الوزارية التي يطالب بها.
وتقول المصادر أن تسلّم شخصية محايدة لوزارة الداخلية سيزيد المشكلة بدل أن يحلّها، باعتبار أن هذه الحقيبة بحاجة إلى وزير مسؤول قادر على اتخاذ موقف وحسم الأمور بما يتناسب مع مصلحة البلد والناس، وليس العودة إلى أسلوب المهادنة ومراعاة الخواطر انسجاماً مع هذا الخط السياسي أو ذاك على حساب مصلحة المواطنين والنظام، ولهذا السبب لم يتمكّن الوزير زياد بارود من النجاح في مهمته كما كان مأمولاً، الأمر الذي يوجب أن يتسلّم وزارة الداخلية أحد الوزراء القادرين على القيام بالاصلاحات العديدة التي تحتاجها للنهوض بالمسؤوليات الكثيرة الملقاة على عاتقها في مواجهة الظروف الصعبة التي يمر بها البلد، وتستوجب تفعيلاً في إدارات الدولة وأجهزتها الحكومية والأمنية كافة لحماية لبنان من أي خضات سياسية أو أمنية قد تواجهه في ظل التطورات التي تشهدها المنطقة.