استناداً إلى ما نشرته الزميلة "الجمهورية" من وثائق "ويكيليكس"، يُسجل لرئيس الوزراء المكلف نجيب ميقاتي أنه قال الحقيقة بوصفه "حزب الله" بـ"السرطان"، ولكن ما لن يسجله له التاريخ أنه في يوم من الأيام أعان هذا "الورم" على التفشي في جسم الوطن، بعد أن ارتضى أن يكون رئيساً مكلفاً للحكومة بقوة سلاح "حزب الله" ووهجه، وهو السلاح المتفلت من أي شرعية إلا شرعية "الولي الفقيه" أو "الحرس الثوري" في الجمهورية الإسلامية في إيران، وقول ميقاتي "ان هدف "حزب الله" الاساسي هو اقامة قاعدة عسكرية ايرانية على البحر المتوسط" خير دليل على ذلك.
وتقول مصادر سياسية واسعة الإطلاع أن ما نُسب إلى ميقاتي يجسد قناعاته التي تخلى عنها مؤخراً، وهنا بيت القصيد، أي أن الوثائق تفضح التبدل الكبير بقناعاته. فلا وسطية في الحق، وميقاتي قال الحقيقة، لكنه أخيرا وضعها جانباً كي يصبح رئيساً للحكومة، وهذا ما جعل الثقة به مهزوزة، فكيف بـ"حزب الله" الذي لا يثق إلا بسلاحه؟ هل يثق بمن يصفه بـ"الورم السرطاني"؟. وكيف سيرد "حزب الله" على ميقاتي بعد أن تبين أنه يرتدي أكثر من قناع؟ وهل سيرد أصلاً؟ وهل يعقل أن لا يرد، وهو من سخر وثائق "ويكيليكس" لينعت قادة "14 آذار" بالعملاء والخونة لأنهم يدركون حقيقته، ولأنهم يفضحون مخططه الساعي إلى تحويل لبنان إلى "محمية إيرانية"؟ هل سينعت "حزب الله" ميقاتي بـ"المتآمر" و"الخائن" و"العميل" أسوة بنعوته التي عممها على قادة "14 آذار"؟.
ولكن ذلك مستبعد، برأي هذه المصادر فـ"حزب الله" بحاجة إلى ميقاتي "لإستكمال إنقلابه، طالما أن لا خيارات بديلة، في انتظار أن يأتي يوم الحساب".
وتوضح المصادر "لا يسعنا إلا الترقب، وإن كان السيناريو الآتي هو المتوقع كي يحفظ الطرفان "ماء الوجه"، ويقطعا هذه الأزمة: ميقاتي يضطر للتبرير على طريقة النائب وليد جنبلاط، و"حزب الله" بلسان أمينه العام السيد حسن نصر الله يضطر انتقائياً، كما فعل في حالة جنبلاط، للصفح عن ميقاتي، بحجة أنها "زلة لسان"، او أنه قال ما قاله في "لحظة تخل"، أو أن يخصص الحيز الأكبر من خطاب يبتدع له مناسبة لامتداح ميقاتي، أسوة بما فعل بمديحه حركة "امل" بعد ما نشرته "الأخبار" من انتقادات لاذعة وجهها قياديو "أمل" لـ"حزب الله".
وبنظر هذه المصادر، فإن "حزب الله" مضطر أن "يبلع الموس"، ولا خيارات أخرى لديه، فما كشفته وثائق "ويكيليكس"، سواء التي نشرتها "الأخبار" عن قادة "14 آذار" والرئيس نبيه بري والوزير محمد جواد خليفة والنواب العونيين، أو التي نشرتها "الجمهورية" عن الرئيس ميقاتي، تؤكد حقيقة واحدة، هي حجم الرفض لـ"حزب الله" الذي يأخذ البلد إلى خيارات لا يريدها ابناؤه بمختلف أطيافهم وإنتماءاتهم. وتسأل: "هل يعيد "حزب الله" النظر بخياراته في ظل عزلته وغربته عن المجتمع اللبناني، ومن ضمنه المجتمع الشيعي أيضاً، بدليل ما نسب إلى قياديي حركة "امل"، الأمر الذي يعمق عدم الثقة والحذر والصراع ما بين اطراف "8 آذار" تحديداً؟".
وترى هذه المصادر انه "مهما يكن رد "حزب الله"، لن تتغير الحقيقة القائلة بأن "شهوة الرئاسة الثالثة" فعلت فعلها بميقاتي، تماماً كما حولت "شهوة الرئاسة الأولى" الجنرال ميشال عون إلى "رجل مجنون" على حد تعبير ميقاتي أيضاً. والحقيقة تقول أيضاً أن الرجلين، أي ميقاتي وعون، تحولا "شاهدي زور" على حقيقة "حزب الله"، وكل ذلك من أجل الكرسي. ولا داعي لاستذكار مواقف عون من "حزب الله" وسلاحه. ولكن، إذا غض "حزب الله" الطرف واضطر إلى أن "يبلع الموس"، هل سيسكت عون عن وصفه من قبل ميقاتي بـ"الرجل المجنون" و"النكتة"؟ خصوصاً وأنه يتصارع مع ميقاتي في تأليف الحكومة، ويريده أن يرحل، ويحمله مسؤولية التأخير".
وتقول: "لا شك أن ميقاتي في موقع لا يحسد عليه. وقد جاءت وثائق "ويكيليكس" لتزيد الطين بلة في عز الأزمة الحكومية التي يبحث فيها عن السترة، بعد أن أبحر في بحر التأليف دون مركب يُعيده إلى شاطئ الأمان. أحرق أوراقه دفعة واحدة، ولم يحسب خط الرجعة، بل ذهب بعيداً نحو "محرقته السياسية" مستظلاً عباءة فريق ينهار، داخلياً وإقليمياً، لأنه قائم على تحالف هش عنوانه التكاذب بين متناقضات لا تجمعها إلا المصالح الآنية".