كتبت ايلين عيسى في "الديار":
هل يبقى اللقاء المسيحي الرباعي الذي انعقد في بكركي مجرّد لقاء يتيم لا مفاعيل سياسية له، أم يُستكمل في لقاءات أخرى ويشهد توافقات على مبادئ وسياسات تصبّ في مصلحة الواقع المسيحي المتردّي؟
تعتبر مصادر المشاركين في الاجتماع الذي رعاه البطريرك الماروني مار بشارة بطرس الراعي في بكركي في 19 نيسان الفائت ان مجرّد انعقاد اللقاء الأول مهم في حدّ ذاته، وان رعاية بكركي للتقارب المسيحي تُسبغ عليه مظلّة واقية، خصوصاً ان البطريرك الجديد يحظى بدعم الأطراف السياسية المختلفة، على خلاف البطريرك مار نصرالله بطرس صفير الذي مرّت علاقته بكل من العماد ميشال عون والنائب سليمان فرنجية بمراحل صعبة. ومن هذا المنطلق فان الأقطاب الذين شاركوا في اللقاء ينتظرون عودة البطريرك الراعي من روما حيث شارك في تطويب البابا يوحنا بولس الثاني، من أجل ان يتولّى بنفسه استكمال المبادرة والدعوة الى لقاء رباعي ثان أو ربما الدعوة الى اجتماع مسيحي موسّع تشارك فيه شريحة أوسع من القوى والأحزاب المسيحية.
ولكن وفي الانتظار، تؤكد المصادر أن لا خطة واضحة متفقاً عليها حالياً، لأن لقاء بكركي الأوّلي لم يدخل في هذه التفاصيل، ولم يصل الى هذه المرحلة أساساً، انما هناك عدة مؤشرات ايجابية تصبّ في خانة تدعيم اللقاء المسيحي، وان كانت حتى الآن مجرّد مؤشرات في الشكل اكثر مما هي في المضمون.
ومن هذه المؤشرات الحرص الشديد الذي يبديه الأقطاب المسيحيون على إرساء تهدئة اعلامية واضحة في المؤتمرات الصحافية والبيانات، وحتى في الندوات الاعلامية والبرامج التلفزيونية التي تستضيف سياسيين من هذا الحزب أو ذاك التيار، حيث يبرز الحرص على عدم مهاجمة أي طرف للطرف الآخر ومراعاة الكلام الديبلوماسي المناسب.
ومن المؤشرات الايجابية في الشكل أيضاً، هي أولاً قيام النائب سامي الجميل بزيارة لبنشعي هي ليست الأولى له في أي حال، اذ ان الجميل يفتح قنوات اتصال منذ فترة مع كل من العماد عون والنائب فرنجية، ويحرص على إبداء الايجابية إزاء مختلف الأطراف المسيحية في الجبهة السياسية المقابلة. وهو قد وضع العلاقة بين القوى المسيحية ضمن تدرّج من 4 مستويات: المستوى الأول هو كسر الجليد، وهذا ما تمّ فعلاً. أما المستوى الثاني فهو استمرار اللقاءات وجعلها دورية وطبيعية، وهو أمر يمكن أن يتحقق مع الوقت. وفي المستوى الثالث يدرج الجميل وجوب التوافق على الثوابت التي تدعم الوضع المسيحي في خطوطه الكبرى كالهجرة وبيع الأراضي والحفاظ على الوجود المسيحي، فيما يركز المستوى الرابع على التحالف أو التوافق السياسي، وهو ما قد يحصل أو لا يحصل في المدى القريب، وهو لا يشكل مشكلة أساسية، اذا ما تم التوافق على المستويات الثلاثة الأولى.
وتصف مصادر مقرّبة من أحد الأقطاب المسيحيين الأجواء ما بعد لقاء بكركي بأنها مشجعة، وقد حاول رئيس الهيئة التنفيذية في القوات اللبنانية تدعيمها عبر اتصالي معايدة بالفصح المجيد أجراهما بكل من العماد عون والنائب فرنجيه. وتقول المصادر ان العماد عون ردّ بالفعل على اتصال جعجع ودار حديث بين الجانبين، ثم عاود عون بنفسه الاتصال بجعجع لمعايدته أيضاً. أما فرنجية فلم «يكن على السمع» حين اتصل جعجع به. ولكن المصادر أكدت ان كلاماً حصل لاحقاً بين الرجلين.
ولكن، لا شيء أبعد من ذلك حتّى الآن، ولا برمجة موضوعة لتفعيل اللقاءات. أما في المضمون، فان هناك سعياً ستبذله بكركي في المرحلة المقبلة من أجل الخروج بورقة ثوابت تتعلق بالوجود المسيحي وبتدعيم الحضور المسيحي سياسياً وديموغرافياً وجغرافياً. وهذه الثوابت ليست موضع خلاف نظرياً بين القوى المسيحية التي تعلن جميعها تمسكها بها، ولكن طريقة تطبيقها العملية هي التي تختلف من طرف الى آخر قياساً الى التحالفات السياسية التي عقدها كل من هذه القوى. أما في الجانب السياسي، فمن المستبعد التوصل الى أي توافقات في ظل التوازنات الحالية والصراع المحتدم بين الجانبين.