"يبدو حتى اليوم أن جميع الأفرقاء الذين يعتبرون أنفسهم معنيين بالإعداد للطبخة الحكومية المنتظرة منذ ما يزيد على الثلاثة أشهر، متوافقون على عدم إنضاج الحلول السياسية الآيلة إلى إعلان تشكيل الحكومة العتيدة".
بهذه العبارة اختصر سياسي مخضرم ومتابع لمجريات عملية التشكيل، ما آلت إليه الأمور في موضوع الحكومة الجديدة. مؤكدا أن الجهود التي بذلت في اليومين الماضيين لم تتمكن من تجاوز "حَقل الألغام" الموضوع أمام ولادة الحكومة العتيدة، والتي من أبرز ألغامه "المُعلنة" وزارة الداخلية. مُبديا خشيته من ألا تقف حدود الأزمة عند العقدة المزعومة، على خلفية وجود العديد من الخلافات السياسية الجوهرية غير المعلنة بين الأكثرية الجديدة ورئيس الجمهورية ميشال سليمان والرئيس المكلّف نجيب ميقاتي، ولافتا في الوقت نفسه، إلى أنه في موازاة التعثّر الحاصل في تشكيل الحكومة، يعمل البعض على تحريك الشارع بشكل يومي ومبرمج ضمن مجموعة من الملفات تلهي الرأي العام عن المشهد السياسي الحقيقي، وأسباب الكامنة وراء العرقلة.
الشارع امام لغم الجوع
وفي الوقت الذي تتصاعد فيه الاحتجاجات في الشارع إزاء حملة قمع المخالفات على الأملاك العامة، والتي كان آخرها الاعتداء الخطير على دورية أمنية في الجنوب، فإن الضائقة الاقتصادية التي بدأت تهدّد كل شرائح المجتمع، تنذر بالتحوّل إلى "لغم" جديد قد تنزلق معه الساحة إلى المزيد من السلبية، في ضوء الارتفاع السريع في أسعار المحروقات وإنذار وزيرة المال ريّا الحسن باقتراب موعد "الإفلاس"، مع ما ستحمله هذه الملفات من انعكاسات غير إيجابية على كافة الصعد.
لكن لغة الشارع، وفق السياسي المخضرم، دونها محاذير، خصوصا إذا أتت على وقع التوترات الإقليمية، ذلك أن تطوّر الاحتجاجات، وبغضّ النظر عن عناوينها المحقّة، ستؤدي إلى تعكير صفو الأمن الذي كان على الدوام ممسوكا وبدقة، بشكل منعزل عن كل التجاذب السياسي بين فريقي 8 و14 آذار. وانطلاقا من هذه المخاوف، فإن ما جرى في الأسبوعين الماضيين لا يرتدي طابع الحركة السلمية ضد السلطة أو الأجهزة الأمنية، بل يستهدف التصويب على الواقع القائم بهدف قلب المعادلة السياسية التي تراوح مكانها، من خلال تكرار المبادرات من قبل غير مرجع، للوصول بالملف الحكومي إلى برّ الأمان. وبالتالي، فإنّ الهدف الأساسي الذي كشفته بعض الأصوات، ولم تعبّر عنه أصوات أخرى، هو التحوّل عن تسمية الرئيس المكلّف نجيب ميقاتي، واللجوء إلى تسمية "الأمر الواقع"، كما يتمّ التداول بحكومة "الأمر الواقع" في الساعات القليلة الماضية.
فالمأزق الذي تواجهه قوى الأكثرية الجديدة، بعد مرور أكثر من ثلاثة أشهر على إطاحتها بحكومة "الوحدة الوطنية"، يظهر جَليّا عجز هذه القوى عن مقاربة أي عنوان على مستوى الحكم، وبالتالي عدم قدرتها على الاتفاق إلا على إبعاد قوى 14 آذار عن السلطة وتغيير التركيبة السياسية في البلاد، وإبقاء الوضع الأمني في ظلّ وضع اقليمي خطير، وكذلك الاقتصادي في مهبّ الصراعات والخلافات، وتعطيل أي حوار داخل المؤسسات الدستورية وخارجها، والضغط على كل من الرئيس المكلّف تارة ورئيس الجمهورية تارة أخرى، لإظهار الدولة وكأنها عاجزة عن القيام بما يلزم لحماية الاستقرار الداخلي، بدءا بالأمن، وصولا إلى الاقتصاد، مرورا بعناوين سياسية فرعية.