الإفراط في التفاؤل فيه بلادة للذهن. التشاؤم في الأخلاق والسياسة فضيلة. حتى الإفراط في التشاؤم يبقى أفضل وأهون شرّاً من الإفراط في التفاؤل. فالتفاؤل المفرط يستخفّ بـ"الشرّ" ويتعامل معه على أنّه عرضيّ ونسبيّ وثانويّ ومؤقت وعابر، أي على أنّه نتيجة لسوء التدبير أو لسوء التفاهم بين البشر أو لمشاكل في النموّ. في المقابل، يكفي التشاؤم المفرط أنّه يلحظ "الشرّ" ومعه "العنف" – كجزء أساسيّ وحيويّ وضروريّ من طبيعتنا ومن عالمنا.
وهكذا، وبدلاً من أن تتقابل حسابات التفاؤل والتشاؤم وجهاً لوجه لضبط وعينا لحاضرنا والأيّام الآتية، وعلى قاعدة إعطاء الأولوية للتشاؤم على التفاؤل فقد حدث العكس تماماً في اليومين الماضيين.
فحادثة "إغتيال أوباما لأسامة" ولّدت موجات تفاؤلية لا سابقة لها، وهذه إتخذت أوجهاً وأشكالاً مختلفة. عماد التفاؤل أنّ إغتيال زعيم القاعدة ورميه في البحر "تكثيف" لحركة تاريخية متسارعة كفيلة بإنهاء العنف على اليابسة في القريب العاجل.
بعض التفاؤل معادٌ مكرّر منذ عشرين سنة مضت. يقوم على مناقضة مقولة "صدام الحضارات" الأساسية لفهم زمن ما بعد الحرب الباردة، بمقولة فضفاضة كوزموبوليتية إحتفالية حول "حوار الثقافات". وهكذا ينظر بملحمية أسطورية إلى مقتل قائد إرهابيّ دوليّ قسّم العالم إلى "فسطاطين" على يد رئيس أميركيّ خلاسيّ ما زال الجدل قائماً في الولايات المتحدة في أيّ من الفسطاطين ولد، ولأيّ من الفسطاطين يدين ضميرياً بالولاء.
أمّا الصنف الآخر من التفاؤل فمستجدّ مع ثورات الربيع العربية. قوامه المسارعة إلى دفن حركات الغلوّ والتطرّف المتسلّحة بأيديولوجيات غيبية عنفية وهي لم تزل بعدُ حيّة ترزق. الحجّة أنّ الإنتفاضات الشعبية العربية تكفل إلتحاق منطقتنا بقطار التوسّع الديموقراطيّ الليبراليّ على الصعيد العالميّ أسوة بشرق أوروبا وأميركا اللاتينية وإندونيسيا، بما من شأنه التضييق على "القاعدة" وأخواتها.
والأدهى هو إختلاط أنواع التفاؤل بعضها ببعض. التفاؤل بأنّ "الإمبراطورية الغربية الأورو أميركية" كسبت الجولة الأساسية في الحرب العالمية على الإرهاب جاء متداخلاً مع التفاؤل بإمكانية إستتباب "السلم الدائم" الذي حلم به بعض فلاسفة عصر الأنوار، ومتلاقياً في المقلب الآخر مع الحلم بعالم أكثر عدالة وإنسانية يكون "متعدّد الأقطاب تقوده حكومة أممية". كل هذا هطل علينا بشكل "جماعيّ" ما إن أذيع خبر إغتيال أسامة بن لادن. بدا الأمر كما لو أن عالمنا يشبه ما جاء في "سفر أشعيا" عن زمن يكون فيه: "الذئب والحمل يرعيان معاً والأسد يأكل التبن كالبقر". وعندما يكون كل ذلك غير مسند بأدلة وأسانيد مقنعة، إنّما فقط بمشابهات واستعارات من هنا وهناك وبتمنيات، نكون حقاً أمام تفاؤل مخيف، تفاؤل تفوح منه رائحة الشرير.
في مقابل كل هذا التفاؤل غير المحسوب، والذي يفيض بالحمولات الزائدة على حادثة اغتيال بن لادن، لم يحضر إلا النوع الباهت والرديء من التشاؤم، أي ذاك الذي يصنّف كل من يقاتل "الإمبراطورية" أو تقتله الإمبراطورية على أنّه بطل صنديد، ويبكي مع رحيل بن لادن إندثار البطولة، أو على العكس، يعزّي النفس بأنّ هذا النوع من الفرسان والأبطال سيتناسل من تلقائه طالما أنّ المظالم ستتكدّس، والفوضى ستزداد.
مثل هذا التشاؤم الباهت والرديء والثقيل الظلّ يشكل لازمة للتفاؤل المفرط. يمنعنا من طرح الأسئلة المطلوبة على غير صعيد. وهذه تطاول مروحة واسعة، تمتدّ من الوضع في الباكستان وأفغانستان، وتصل إلى الأشكال الجديدة من التصادم الحضاريّ سواء داخل حواضر الغرب أو على التخوم بين الشرق والغرب، لكن، هناك وقبل كل شيء، ثبات مختلف منظومات الإستبداد الشرقيّ على إمتداد أوراسيا.
إنّ إغتيال زعيم تنظيم "القاعدة" هو بلا شكّ خطوة ضروريّة بالنسبة إلى "الإجماع الدوليّ" على محاربة الإرهاب، ومن قبله "الإجماع التاريخيّ" على إدانة هجمات 11 أيلول. أمّا التوهّم بأنّ ذلك سيؤسّس لعالم من دون عنف، وينحسر فيه الإرهاب، أو سيتكامل مع الإنتفاضات الشعبية العربية ليؤسس منطقة تروج فيها الديموقراطية وثقافة السلم والإعتدال، فكل ذلك لا يجد سنداً متيناً له في الواقع، بل على العكس تماماً، يذكّرنا بمغبّة الإسراف في التفاؤل وكيف أن التفاؤل هذا سرعان ما يولّد نقيضه. التفاؤل في النصف الثاني من القرن التاسع عشر بأنّ الحروب الكبيرة انتهت أسّس للحرب العالمية الأولى التي توهّم أقطابها في البدء أنّ الآلة الصناعية ستجعل الحسم سريعاً وفي غضون أيّام. التشاؤم في النصف الثاني من القرن العشرين بأنّ الصدام بين الجبارين الأميركيّ والسوفياتي يخاطر بتدمير الكوكب بالسلاح النووي أدّى عملياً إلى حصر الحروب في المستعمرات السابقة وإلى بقائها حرباً باردة بين الجبارين. أمّا التفاؤل اليوم بأنّ القرن الحادي والعشرين بدأ في 11 أيلول 2001 وحُسم في 2 أيار 2011 فنترك للأجيال القادمة أن تقول لنا إلى أين سيؤدّي.