هذه أرض مقدّسة وليست للبيع. هذه أرض للتعديات الكريمة. كل شيء غائب فلما لا. اذا جاءت دورية للدرك، ننصب لها كمينا لطيفا، ونحوّلها الى خبر من أخبار كان الناقصة. مسألة سهلة لا تحتاج أسلحة وتدريبات. العقل مدرّب أساسا على مواجهة… القانون ورجال الدولة! امرأة من هنا، مسنّ من هناك، أطفال يبلعطون من كل الجهات، يملأون الشارع فوضى وصراخا ويدحرون بقوة، "المعتدي" الى خلف الخطوط المرسومة لجمهورية الفوضى…
هذه أرض مقدّسة ليست للبيع. هذه أرض يقفل باب مجلس النواب فيها، ويسكّر على أهم الديمقراطيات، لان رئسيه آخد على خاطرو، ومنَكْوَت، ويائس وبائس وحاله بالويل، ويعاني من أزمة نفسية حادة، لان الانقلاب الذي نفذه مع حلفائه على منطق الدولة، التي يلتصق قفاه الكريم على كرسي برلمانها، منذ 20 عاما فقط، ويا للصدفة، لم تجعل حلمه يكتمل بتشكيل تشكيلة حكومة اللون الواحد الظريفة، التي يرأسها حزب السلاح، فيقرر "الاستيذ" أن يدير دفّة البلاد كما يشاء عبر وزير خارجيته، ويستنسب الدبلوماسيات التي يجب عليه أن يصافحها، واخرى يرجمها! ثوار مصر وتونس وليبيا الى السماء كارجين كالحجل ومن دون وساطة، اما ثوار سوريا فـ كالغزال الى سابع جحيم!…
الارض المقدّسة بلا حكومة. ولانها كذلك، أي مقدّسة، ما زالت مستمرة بالاعجوبة. لان لو كان الله يريد لها حكومة يرأسها السلاح، لكانت تشكّلت في خلال 24 ساعة على الاكثر، كما كان يريد سيّد السلاح، لكن رياح الاعاجيب تعصف في غير اتجاهات، فاجتاحت أعاصير الحرية ساحات العرب، وللشقيقة منها نصيب الاسد، فأصبحت الحكومة العتيدة الموعودة، عروسا من دون عريس حتى الان، وقد تصبح، مثل أفضالنا، عانسا من يدري…
الارض المقدسة تشهد حفلات صاخبة، لمحاولات إماتة أحياء أحياء فعلا فيها، وبالقوة! أشرف ريفي. والغريب انه وعند كل محاولة من هذا النوع، يعود أقوى. رصاصة اخترقت بالخطأ جسد العقيد علي حسونة آمر فصيلة الاوزاعي، تحوّلت الى عملية قتل مشبوهة، شهد عليها الباب "الاخرس" لمنزل مدير عام قوى الامن الداخلي! هكذا روّج إعلام "8 آذار"، للايحاء بان لريفي يدا في مقتل العقيد. فشلت المحاولة، للاسف، كانت الحقيقة هذه المرة، أسرع بكثير من الشائعة، فضبضب راجح الكذبة كيسه، وأفل عائدا خائبا الى بيت القصيد، الذي يتراوح بين الضاحية والرابية وعين التينة….
الارض المقدّسة، تشهد خرساء، على ثورة الجارة التي جارت لزمن طويل. لاول مرة لا تفصح عن رأيها الحر. تراقب. ان حكت قالوا انها شامتة. وان سكتت قالوا انها تُحجم عن دورها التاريخي في دعم الحريات. احترنا يا قرعة. قد يكون الصمت الموقت أفضل الحلول. ذراع الشقيقة ما زال طويلا جدا في لبنان، وقد يطال أحرار كثر بعد. ونحن قررنا، اننا لم نعد نريد أن ندفع ثمن حرية الاخرين. فلينعموا بثورتهم. وليتلذذوا بطعم الهواء المفتوح، والسماء الزرقاء، والرياح البيضاء التي تعصف بقلب حر حين يفك أغلاله. عندما يتحررون فعلا سيفهمون أكثر ما نقصده…
شهداء الصحافة. الشهداء. هؤلاء يجعلون الارض مقدّسة، فكيف اذا كانت مقدّسة بالاساس؟ أقلامهم صارت دما. لكن هذه الارض لا تشبع. لم تشبع بعد. لا شيء يوحي على الاقل بانها شبعت. تريد المزيد بعد، لترسمنا شهب نار في سماء صافية. اشتقت لجبران التويني. قلم حاد حدّ لم يرحم فلم يرحموه. سمير قصير فاته ربيع العرب. ذرف نصف حبره وهو يتنبّأ به. ربيعهم. للاسف للاسف ضيعانك. قد يكون يراقب من فوق. لكننا نريد ايحاء بانه يفعل، كي لا نزعل أكثر. قبل جبران وسمير شهداء كثر، ومن بعدهما قد نصبح أكثر. يكتب القلم ولا يعرف اين مسار الحبر. اين يصبّ، وحقيقة من سيلوّث. لكننا لم نعد نريد أن تنتحر أقلامنا. نريد لها البقاء والحقيقة والحرية أولا وآخرا. لا شيء محسوم فوق أرض القداسة. كل الاحتمالات واردة وفي كل الاوقات. لكن وكلما استشهد قلم، تنهار احدى جمهوريات الظلام. وكلما سقط صحافي، سقط معه ديكتاتور، وهو زمن السقوط الكبير لكل عاشق لظلاله….