خلال أحداث الثورة المصرية اعتبر ايهودا باراك وزير الحرب الإسرائيلي أنّها أحدثت زلزالا في المنطقة، حينها أشار التلفزيون الإسرائيلي أن واشنطن «تبذل جهودا هائلة من أجل ضمان التزام مصر باتفاقية كامب ديفيد» وكان السفير الأميركي السابق في مصر «دانيال كيرتز» قد عبر عن هذا الموقف لمجلة «الفورن بولسي» الأميركية «ان أكثر ما يقلق أميركا مصير اتفاقية كامب ديفيد»، لم تلبث إسرائيل أن حصلت على تطمين مباشر، جاء عبر البيان الرابع للمجلس الأعلى للقوات المسلحة الذي شدد البيان على التزامه بكافة المعاهدات والاتفاقيات الدولية والإقليمية التي وقعتها مصر.
وفي 24 نيسان الماضي تحدّثت صحيفتيْ يديعوت احرونوت ومعاريف عن اعتقادهما بأن إسرائيل والولايات المتحدة في غاية القلق من الوضع في سورية بعد الأسد، وذهبت «معاريف» إلى أن احتجاجات الجمعة العظيمة في سورية أكدت أن الرئيس بشار الأسد اقترب من نهايته المحتومة، ووصفت الصحيفة حال إسرائيل بأنّها «في معضلة شديدة بين غضبها على الأسد بسبب تحالفه مع إيران وحزب الله ومساعدته لحركة «حماس»، ومن جهة أخرى استفادتها من كونه حرص على مدى السنين أن تكون هضبة الجولان هادئة من دون إطلاق رصاصة واحدة»!! أمّا «يديعوت أحرونوت» فلخصّت موقف الإسرائيليين تجاه الرئيس السوري في أنهم «يخشون أن يسقط، يخافون أن ينجو»، ثمّ لخص بنيامين نتانياهو رئيس الوزراء الإسرائيلي هذا الموقف عندما سئل عن مصلحة إسرائيل في رؤية سقوط النظام في سورية، فكان رده «أي جواب أقدمه لن يكون جيدا»!!
شيء ما طرأ على الموقف الإسرائيلي وجاء متزامناً مع المواقف المتتالية تركياً وفرنسياً وأميركياً وعلى مستوى الاتحاد الأوروبي، التغيير في الموقف بدا جلياً مع حديث وزير الحرب الإسرائيلي إيهودا باراك وكلامه المفاجئ من الأحداث في سورية، وهو موقف مغاير تماماً للمواقف الإسرائيليّة السابقة، وإن كان في إسرائيل موقفين من النظام السوري إلا أنّ الغالب بينهما كان دائماً ضرورة المحافظة عليه!! ما الذي تغيّر حتى تبعث إسرائيل بهذه الرسالة لدمشق وعلى لسان باراك نفسه الذي صرّح: «بأن إسرائيل يجب ألا تخشى التغيير في دمشق»!!
هي المرة الأولى التي تتحدث فيها إسرائيل من دون قفازات ومن دون قلق عن النظام السوري، وفي توقيت حمل إشارات كثيرة على التفكير والبحث التركي ـ الأميركي الجدي والاستعداد لأسوأ الاحتمالات، والبدائل الممكنة!! ففي حديث باراك للقناة العاشرة في التلفزيون الإسرائيلي قال بوضوح: «يجب ألا تجزع إسرائيل من إمكانية تغيير الأسد، والعملية الجارية في الشرق الأوسط تنطوي على وعود وتطلعات كبيرة على المدى الطويل من أجل أطفالنا وأحفادنا»!! ولكن ماذا عن أطفالنا وأحفادنا نحن في المنطقة؟!
ونظّر إيهود باراك للموقف في سورية، لم نعد نعرف ما إذا كان الأمر «قبّة باط» أم أكثر خصوصاً عندما يصل كلام مسؤول إسرائيلي حدّ القول: «أعتقد أن الأسد يقترب من لحظة يفقد فيها السلطة، والوحشية المتصاعدة تضعه في مأزق كلما زاد عدد القتلى تراجعت فرصه في الخروج من هذا الموقف».
شيء ما يتغيّر في المواقف الدوليّة من النظام السوري كان أعنفها على الإطلاق يوم أمس وهو موقف الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي الذي أدخل لبنان في متاهة «كنفشة» رئاسية أرادها لنفسه، وها هو يربّح اللبنانيين «جميل» أنها أوقفت «العنف» في لبنان، إن كان ساركوزي يعني أن سورية هي وراء كلّ أحداث العنف التي شهده لبنان فعار عليه أن يتباهى بأنه مدّ يده على حساب الشعب اللبناني ليدّعي لنفسه دوراً في المنطقة، ولو كان أكثر صدقاً لقال: «أن ثمن مدّ اليد هذا وإدارة الظهر للبنان كان صفقة الطائرات مع قطر»، التي يشتم الإعلام السوري أميرها ليلاً نهاراً هذه الأيام!!
علينا أن نتخيّل حراجة الموقف العربي من أحداث سورية، خصوصاً مع الأخبار التي تصدّرت الشاشات بالأمس عن «دبابات الحرس الجمهوري» التي وصلت إلى مشارف حمص ودرعا وسواها استعداداً ربما لـ»جمعة التحدي» يوم غد أو تمهيداً لتطويقها منذ اليوم، وتتأتّى حراجة الموقف العربي في صمته وتركه الكلام لتحدّث أصحاب التاريخ الإجرامي في قتل الآخرين من أجل شعبهم، فتنطلق ألسنتهم تحسراً على الشعوب العربية التي يُنكّل ويُفعل بها ما لم تفعله إسرائيل نفسها خلال حروبها عليهم، أليست مفارقة أن يكون باراك لا أي مسؤول عربي آخر هو الذي يقول: «إن لجوء الرئيس السوري بشار الأسد لاستخدام القوة ضد شعبه يعجل بسقوط حكمه (…) أعتقد أن الأسد يقترب من لحظة يفقد فيها السلطة، والوحشية المتصاعدة تضعه في مأزق كلما زاد عدد القتلى تراجعت فرصه في الخروج من هذا الموقف»، ألا يُفترض أن يكون هناك نصائح عربيّة ومواقف تلجم هذا العنف بدلاً من هذا الصمت المخزي!!
شيء ما يتغيّر في المواقف من أحداث العنف في سورية، ولم يعد هناك في الأفق ما يشير إلى إمكانيّة العودة إلى الوراء بين الطرفين الشعب والنظام، كلاهما يدافع عن بقائه على قيد الحياة، وفي التاريخ عبرة بأنّ الشعوب تبقى والأنظمة هي التي تسقط، ولكن للأسف لا تعتبر بغيرها ولا حتى بنفسها!!