وصول الأسد والسادات إلى السلطة وبداية التحولات:
مصر:
بعيدا عن التبسيطات لبعض القراءات التاريخية القائلة إن التحولات في سياسة مصر ما بعد عبد الناصر هي خيانة فردية، والتي تذهب في بعض الأحيان أيضا إلى إتهام السادات بالعمالة لإسرائيل وللغرب، فأني أعتقد شخصيا أن هكذا قراءة هي الإتهام الأكبر والأخطر الذي يمكن أن توجهه لتجربة عبد الناصر ولثورة يوليو. إذ لا يعقل بأن نمجد التجربة الناصرية (بشقيها القومي والتنموي) من جهة وأن نقول إن فرداً كان قادراَ على الانقلاب عليها من دون مواجهة أي صعوبات ومقاومات (شعبية ومؤسساتية كانت أو عسكرية).
بغض النظر عن موقفي الشخصي من السادات، فإن القراءة التاريخية النقدية لما بعد 1970 وبخاصة بعد حرب العبور 1973، يجب أن ينظر إليها على أنها نهاية رؤية قومية عربية داخل الثورة المصرية، وانتصار البراغماتية وأصحاب الرؤية الوطنية في داخل هذه الأخيرة على حساب التوجه الوحدوي. فغياب عبد الناصر الذي مثَل الفكر الوحدوي العربي (حتى أن الفكر القومي سمي بالناصري رغم أن عبد الناصر لم يكن يوما بمفكر) كان بحد ذاته ضربة كبيرة "لمشروعه". أضافة إلى أن الشعب المصري واقتصاده كانا منهكين تماما بعد عشرين عاما على استلام الضباط الأحرار للسلطة. (وهذا ما لا يريد الفرد العربي غير المصري ان يراه ويعترف به)، فلنتذكر معا: ثورة 1952، فتأميم قناة السويس وحرب 1956. ادارة الصراعات العربية من المغرب إلى العراق. حرب اليمن وثورة الجزائر كما والوحدة الفاشلة مع سوريا. المجهود العربي وحرب 1967 وحرب الاستنزاف (أحداث لبنان وأيلول الأسود في الاردن كما وإغلاق قناة السويس). دعم الإنقلابات في بعض البلدان العربية، وأخيرا وليس اخرا حرب العبور1973.
فإذا وضعنا جانبا المجهود التنموي الاقتصادي الملحوظ والمهم لتجربة عبد الناصر (اذ إن هذا المجهود لا يمكن أن يعود إلا ايجابيا)، فإن مصر بعد حرب 1973 كانت بلدا منهكا غير قادر على لعب دوره السابق على مساحة العالم العربي، وهذا الضعف كان بدأ يظهر إلى العلن أواخر الستينات.
ضمن هذه المعطيات ظهرت رؤية السادات والتي تعبر عن التيار البراغماتي داخل الثورة، الذي يعطي أولوية للشأن الوطني على الشأن القومي.
ما هي هذه الرؤية؟
أولا: ان لا إمكان للعودة إلى ما قبل 1948 وبالتالي القضاء على الكيان الإسرائيلي بالوسائل العسكرية وبخاصة بوجود السلاح النووي الإسرائيلي والدعم الأميركي.
ثانيا: إن موازين القوة العسكرية ليست في مصالحة مصر والعرب ولا يمكن الاعتماد على الاتحاد السوفياتي لتعديل هذه الموازين جذريا وبالتالي يجب أن يكون الهدف الأقصى للحرب هو كسر الحلقة المفرغة أو (Statuquo) وإجبار الإسرائليين والاميركيين على التفاوض لاسترداد سيناء بالحد الأدنى من التنازلات.
ثالثا: إن الوضع الاقتصادي والاجتماعي لمصر لا يسمح لها بفتح حرب طويلة وحرب استنزاف، كما ولا يسمح لها بلعب دور مباشر على مساحة العالم العربي كما كانت الحال مع عبد الناصر.
رابعا: الانتقال بالكامل إلى المنظومة الغربية (عسكريا، اقتصاديا وثقافيا) وبالتالي الاستفادة من الانفتاح الاقتصادي مع الغرب ومساعداته، كما ومن أموال دول الخليج التابعة لنفس المنظومة ومن الأسواق والأستثمارات العالمية.
خامسا: لعب دور اقليمي ومنافسة اسرائيل على المسرح الأقليمي من خلال لعب دور الحصان الربحان مع الاميركين. فبين وزن مصر السياسي وموقعها الاستراتيجي وادارتها لقناة السويس ودورها الشرق أوسطي والأفريقي، يمكن لمصر الحفاظ على حجمها وعلى وزنها بمجرد تحييد نفسها من الصراع.
هذه الرؤية المخمسة الأضلاع (التي يمكن مناقشتها بالسلب وبالإيجاب) فتحت باب التحولات الراديكالية في الصراع الإسرائيلي – العربي وأنهت كل إمكان للمبادرة العربية العسكرية التقليدية لتحرير الأراضي المحتلة وإقامة دولة فلسطين.
الوضع العسكري للجيشين المصري والسوري عند توقف العمليات العسكرية في حرب 1973 يثبت أن الصراع العسكري التقليدي ليس لمصلحة العرب، وأن خطوة السادات للذهاب إلى المفاوضات كانت حاصلة عاجلا أم اجلا، وان الإنتقاد الأكبر الموجه إليه يتعلق بالشكل وبالتوقيت (رغم محاولته جلب سوريا معه). فبذهابه منفردا للإعتراف بإسرائيل كسر المحرمات، ولكنه كشف أيضا حجم التفتت على الساحة العربية أصلا حتى ما قبل الحرب، وعلى غياب التضامن الفعلي في الصراع مع العدو.
سوريا:
ماذا عن سوريا وتحولاتها؟
التحولات في سوريا نحو البراغماتية بدأت قبل مصر، فرغم أن كل القوى التي توالت على الحكم في سوريا من خلال الانقلابات كانت عروبية إلا أنها كانت تختلف على الشكل والاتجاه الوحدوي.
فمنذ انقلاب 1961 الذي أنهى الوحدة مع مصر، اتجهت سوريا نحو مشروع أكثر فأكثر وطنية بابعاد اقليمية (الإقليم المحيط بها) وتخلت شيئا فشيئا عن رؤيتها الوحدوية إلا في الشعارات. هذا التوجه تأكد في انقلاب صلاح شديد عام 1966 الذي طرد المؤسسين التاريخيين لحزب البعث العربي الاشتراكي. واستتب وتعمق هذا الخيار مع الحركة التصحيحية ووصول الرئيس حافظ الاسد إلى السلطة (بعد الأنقلاب الكامل على التوجه اليساري-الوحدوي داخل حزب البعث).
كان الوضع شديد التعقيد في سوريا ومحيطها مع استلام الاسد الأب للسلطة: فالثورة الفلسطينية بكل فصائلها كانت قد انتقلت إلى لبنان بعد خسارة معركتها مع النظام الاردني، وكان الصعود الاسلامي في أوجَه والمسألة الكردية إلى تأزم والوجود الفلسطيني على أرض سوريا يشكل قنبلة موقوتة والجولان ما زال تحت الأحتلال والتحضير للحرب على أوجَه، أضف إلى ذلك، العلاقة مع تركيا الأطلسية المتوترة فالخلاف مع البعث العراقي كما ومع النظام الاردني، وأخيرا وليس آخرا التفتت على الساحتين الحزبية والسياسية في سوريا (القومية واليسارية) كل ذلك معطوفا على ربع قرن من غياب الاستقرار.
كان على الأسد الأب أن يتعامل مع هذا الوضع الشائك والمعقد سوريا وإقليميا. فنهج سياسة براغماتية تقوم على أربع ركائز:
أولا: حسم التوجه الفكري القومي والوطني لمصلحة التخلي عن المشروع الوحدوي وإعطاء أولوية لبناء سلطة مركزية قوية تؤمن الاستقرار، وذلك عبر احتكار السلطة والغاء التعددية الحزبية والتيارات الفكرية حتى داخل حزب "البعث".
ثانيا: التمكن من تثبيت الاستقرار بهدف التفرغ للمجهود الحربي واسترجاع الجولان والمشاركة بالحرب الى جانب مصر. هذا التوجه العالي الخطورة والمحفوف بالمخاطرة، كان احدى سياسات الأسد الوالد لإطفاء شرعية قومية ووطنية على نظامه.
ثالثا: بناء سلطة مركزية قادرة على وقف اي انقلاب في المستقبل، ليكون ذلك خطوة أولى على طريق بناء الدولة السورية الحديثة (وهذا لم يحدث). سلطة قوية قائمة على جيش وقوى أمنية ومخابراتية تحصن النظام السوري وتكون له أداة للتدخل في الإقليم، بخاصة في لبنان وفي الوسط الفلسطيني، لحماية مجاله الحيوي من جهة ولجمع الأوراق السياسية للتفاوض عليها لاحقا. هذه السياسة الوطنية بامتياز طوت التوجه الإيديولوجي الوحدوي من دون الإنغلاق تماما داخل الحدود السورية.
رابعا : (تحول داخل التحول بعد هزيمة 1973) بحنكته المعروفة، وبعد توجه السادات إلى المفاوضات، أيقن الأسد الأب أنه لن يكون هناك استرجاع للجولان من خلال حرب عسكرية تقليدية، لذا عمد إلى التركيز على إدارة الصراع في لبنان ليكون هناك "ربط نزاع" مع الأميركيين والإسرائيليين يمكنه من الجلوس على طاولة المفاوضات. مفاوضات لاسترجاع الجولان مستندة على الورقة اللبنانية من جهة والورقة الفلسطينية من جهة أخرى. كل ذلك تحت شعارات عروبية فضفاضة تخفي تحتها العجز والتوجه التفاوضي بالإضافة إلى محاولة الحلول مكان مصر الناصرية كرمز ومحرك للساحة العربية والتوجهات الوحدوية.
لذا، فرؤية السادات كما رؤية الأسد الأب تتشابهان إلى حد بعيد رغم اختلاف الأسلوب والإستراتيجيات. فكلا الرؤيتين تقومان على البراغماتية القصوى المبنية على حسابات المصالح الوطنية أولا، معلنة ضمنا فشل التجربة الوحدوية (الناصرية كما البعثية) وفشل تجربة الإقتصاد الموجَه المسمى بالإشتراكية.
ترقبوا في الجزء الثالث: سوريا ومصر: ما بعد حرب 73 واتفاقية كامب ديفيد