اعتبرت بعض الدوائر السياسية في بيروت لـ"الراي" ان المراوحة والحفاظ على "الستايتكو" الحالي في ما خص تشكيل الحكومة، على طريقة "لا معلّق ولا مطلّق" قد يشكّل "أهون الشرّيْن"، ولا سيما ان ثمة تقاطُعاً برز بين مختلف الشركاء الاقليميين (سوريا وايران) والمحليين (8 آذار وميقاتي) في الوضع اللبناني على شراء المزيد من الوقت قبل حسم مسار الملف الحكومي.
وحسب هذه الدوائر السياسية، فان سوريا التي تحاول معاودة الإمساك بزمام الأمور في اراضيها، تراهن على قدرتها على "استئصال" الاحتجاجات قبل ان يبلغها "مبضع" العقوبات الدولية ويبدأ باستنزاف نظامها، ما يجعلها تتريّث في إطلاق يد حلفائها في لبنان للسير بـ"حكومة اللون الواحد" لاعتباريْن: الاول عدم رغبة دمشق في توجيه "الاشارة الخاطئة" الى المجتمع الدولي الذي بدأ يخرج عن حذره في التعاطي معها رافعاً مستوى تحذيراته اليها على خلفية الأحداث الجارية في مناطق سورية عدة، وهو المجتمع نفسه الذي ينتظرها "على الكوع" بإزاء اي "دعسة ناقصة" في لبنان قد ترتدّ على مجمل وضعيّتها المهتزة اصلاً في علاقتها مع الغرب.
اما الاعتبار الثاني لـ"الفرْملة" السورية، فمردّه الى ان ولادة الحكومة اللبنانية فيما نظام الأسد في مرحلة "استنزاف الهيبة" سيعني تشكيلة وزارية في بيروت تستفيد من الانهماك السوري في إخماد عاصفة الاحتجاجات لتقديم تنازلات ولا سيما في الوزارات "الحساسة"، اي الداخلية والدفاع، لا تسمح لحلفائها بـ"تسييل" الانتصار الذي حققوه بإسقاط حكومة الرئيس سعد الحريري وتكليف ميقاتي، وهو الانتصار الذي لا يزال حتى اليوم بمثابة "شيك" لم يُصرف.
واذا كانت هذه حيثيات التريث السوري والايراني، الذي يبقى الخروج منه رهناً بتغيُّر نظرة كل منهما الى الواقع الحالي وتالياً تبديل استراتيجيات العمل، وهو ما لا يبدو انه في الافق القريب، فان الرئيس ميقاتي لا يظهر في وضع أسهل، هو الذي تبلّغ رسائل مباشرة وواضحة من مغبّة السير في حكومة اللون الواحد التي يكون اللون الايراني والسوري "فاقعاً فيها"، ما يجعل سيره بالحكومة في لحظة "العين" الدولية على سورية وارتفاع وتيرة المطالبة بعقوبات عليها لا توفّر رأس النظام فيها، كما في لحظة "الغضب" الخليجي على ايران بمثابة خطوة في المجهول يمكن ان تضع مستقبله السياسي وحتى كقطب أعمال على المحك.
وفي غمرة هذا المشهد، يصبح مفهوماً "الاختباء" خلف عقد تتخذ تارة تسمية حقيبة الداخلية وتارة أخرى اسم الأحجام داخل الحكومة الجديدة، لمواصلة الدوران في حلقة مفرغة من فراغ تملأه توترات أمنية تتخذ اكثر من لبوس (ابرزها حالياً على خلفية التعديات على الاملاك العامة) وضغوط اقتصادية تعبّر عنها الأرقام المخيفة عن تراجُع الحركة السياحية والنشاط الاقتصادي، والكلام الذي نُقل عن حاكم مصرف لبنان رياض سلامة عن بلوغ الوضع "مستوى دون الخط الاحمر".
ورغم اليأس الذي يلفّ العاملين على الخط الحكومي، فان الجميع يحاذرون رفع الرايات البيض، مراهنين على أعجوبة يمكن ان تنقذ الوضع الذي استنزف رصيد قوى الاكثرية الجديدة التي باتت العلاقات بين مكوناتها وبين الرئيس ميقاتي امام مرحلة جديدة من انعدام الثقة ولا سيما بعد انكشاف "الصندوق الاسود" لوثائق ويكيليكس عن المزيد من المفاجآت… غير السارة.
ورأت الدوائر السياسية ان الرئيس سليمان الذي رفض ان يسمي قائد الجيش "اسما وسطاً" لتولي حقيبة "الداخلية"، لن يقبل بان يحصل زعيم "التيار الحر" على هذه حقيبة بطريقة مقنّعة، وان الرئيس لا يزال يصرّ على ان تبقى هذه الحقيبة من حصته وان يسمي مَن سيتولاها.
وكان لافتاً ايضاً ما اوردته بعض التقارير الاعلامية من ان سليمان اجاب في معرض اقفال باب النقاش امام الاقتراح الذي قدّمه قهوجي لوزارة الداخلية: "لماذا لا يقبل قهوجي أن يكون هو وزيرا للداخلية؟"، فيما ذكرت تقارير اخرى ان سليمان تداول مع أقرب مساعديه بفكرة سقطت وقامت على محاولة إقناع الرئيس المكلف بالعودة إلى المربع الأول اي تشكيل حكومة إنقاذ وطني "فيجلس جميع أقطاب الحوار على طاولة حكومية واحدة: نجيب ميقاتي وسعد الحريري وأمين الجميل وسمير جعجع وميشال عون وسليمان فرنجية وحزب الله ووليد جنبلاط ونبيه بري وطلال ارسلان… الخ".