#adsense

“النهار”: قوى في الأكثرية الجديدة تنقسم في شأن الطرح …فكرة حكومة “الأمر الواقع” مناورة خطرة!

حجم الخط

كتب ابراهيم بيرم في صحيفة "النهار":

مصطلح حكومة "الامر الواقع" الذي يحكى عنه حاليا من بين جملة خيارات، ليس جديدا على الاسماع والاذهان، فهو طرح للمرة الاولى على بساط التداول بعد نحو ثلاثة اسابيع على قبول الرئيس نجيب ميقاتي التصدي لمهمة تأليف الحكومة، اذ ان ثمة من قدمه كخيار يمكن ان يلجأ اليه رئيس الوزراء المكلف اذا ما سدت في وجهه سبل التأليف السلس، وحالت العقد والعقبات التي كانت آنذاك قد بدأت تلقي بظلالها على الواقع، دون نجاح ميقاتي في تأليف حكومته الثانية التي تصدى في سبيلها لعاصفة من الضغوط الكبيرة، ولا سيما من داخل شارعه الطائفي، حاولت ثنيه اصلا عن القبول بخلافة الرئيس سعد الحريري.

اذذاك جاء من اقصى المدينة من يتكهن بناء على علم، او استنادا الى تحليلات بأن ميقاتي، قد يحمل الى مجلس النواب صيغة حكومية عديدها بمن يراهم هو صالحين للمضي معه في رحلة الحكومة، او على الاقل لا يحملون صفة "الاستفزازيين"، وعندما لا ينال الثقة الكافية، يكون قد امن مخرجا لائقا له، يكفيه مؤونة المضي في "المواجهات" الحادة مع اكثر من فريق، ممن يفترض ادراجهم في خانة الاكثرية الجديدة التي اولته ثقتها، ويضمن له صفة رئيس حكومة تصريف الاعمال الى ان يخلق الله ظروفا ومعطيات جديدة تؤمن له الخروج اللائق، او تشكل له الرافعة من جديد الى سدة الرئاسة الثالثة ولكن بشكل مضمون.

في ذلك الوقت، برز رأيان في داخل اوساط الاكثرية الجديدة، الاول يزعم ان ميقاتي الطامح الى ان يحجز لنفسه مقاما محمودا في نادي رؤساء الوزراء في لبنان، والذي لم يكن قد مضى زمن على حمله "جمرة" الامانة الملتهبة، لن يقدم على هذا الفعل الذي هو اقرب الى ان يكون فعل اليائسين الذين سدت امامهم المنافذ واستنفدوا الحيل.
والثاني يقول ان ميقاتي لم يصل بعد الى هذه المرحلة التي من شأنها ان توصد الابواب بينه وبين قوى الاكثرية الجديدة التي لها حضورها القوي في الداخل، ولن يهدم حيطان العمار التي ارتفعت منذ زمن غير بعيد بينه وبين دمشق، بعد اعوام من القطيعة.

وبناء على هذه المعطيات، بدا واضحا حينها، وبحسب قراءة اطراف الاكثرية النيابية الجديدة ان ميقاتي بسماحه بترويج هذا المصطلح، يريد ان يمارس مناورة سياسية جديدة في نوعها وغير مألوفة في جوهرها وتوقيتها، ويريد من خلال كل ذلك ان يحقق الآتي:

1- ان يقول لمن يعنيهم الامر، انه ممسك بما انطوى عليه الدستور من حقوق له من خلال موقعه كرئيس وزراء مكلف.

2- انه يريد ان يبعث برسالة الى من حاول التشكيك بـ"سنيته"، انه محافظ على موقع الرئاسة الأولى أكثر من سلفه الذي ارتكب "خطأ قاتلاً" يوم سمح لزعيم "التيار الوطني الحر" النائب العماد ميشال عون أن يسمي من الرابية وزراءه في حكومة الوحدة الوطنية المقالة مخالفاً الاعراف وجوهر الدستور، وهو خطأ ضرب الحريري حينذاك، الصفح عنه.

3- ان ميقاتي يريد ان يعطي انطباعاً فحواه انه لا يتحرك ولا يسير في مهمته، تحت وطأة وضغوط من هنا وهناك، ولا تحت وطأة تهويلات تصدر عن هذه الجهة او تلك.

4- وأبعد من ذلك كله، ان حكومة الأمر الواقع لا تتكامل وتتحول الى امر واقع الا نتيجة تفاهم سياسي تام بينه وبين الرئاسة الاولى، طرفاه ان هناك من يقدم التشكيلة الحكومية العتيدة وهناك من يوقع مراسيمها ويصدرها.

وتالياً هذا يعني ان هناك رؤية سياسية متكاملة مشتركة بين الرئاستين تسمح لهما بالاندفاع نحو هدف معين، من دون تنسيق وتفاهم مع الأكثرية الجديدة، بل على نقيض توجهات هذا الفريق، وهذا يعني انهما يشرعان الأبواب أمام مواجهة سياسية حادة في البلاد.

وثمة وجه آخر يثبت ان فكرة حكومة الأمر الواقع اذا تحققت بالتوافق بين الرئاستين الاولى والثالثة، تنطوي على وجه مغامرة أخرى، وتفتح أيضاً باب المواجهة مع ما تبقى في فريق 14 آذار من مكونات، لأن حكومة أمر واقع لا تنال ثقة مجلس النواب تصير حكومة تصريف اعمال، وهذا يعني بشكل أو بآخر عملية اقصاء جديدة للرئيس الحريري عن السلطة والتشكيلة، وتكريس واقع سياسي جديد عنوانه كتلة سياسية ثالثة في المسرح السياسي تواجه في آن كتلتان أخريان تتقاسمان عملياً دورة الحياة السياسية في البلاد.

وبناء على كل هذه "الأخطار" المرئية وسواها المستور التي تنطوي عليها حكومة الأمر الواقع، فإن ثمة في نخب الأكثرية الجديدة من يرى ان مجرد طرح مثل هذه الفكرة في هذه المرحلة بالذات له عملياً تفسيران، ان طرحهما على هذا النحو، معناه ان من يريد ان يناور في الوقت المتقطع او القائم ليملأ الفراغ الحاصل، والذي بات عبارة من مراوحة قاتلة، وفق تعبير النائب وليد جنبلاط، والمناورة مقبولة في مثل هذه الحالة وفق ما قاله العماد عون.

واما ان الرئاستين الاولى والثالثة تحملان بالتكافل والتضامن كلمة سر كبيرة، تضرب عرض الحائط بآراء قوى لا يمكن اطلاقاً الاستهانة بموقعها وحجمها ودورها، وساعتها نكون أمام مرحلة جديدة تسقط فيها معادلات قوية لتنهض مكانها معادلات أخرى ليست في الحسبان.

وعليه، فالسؤال المطروح هل في امكان هاتين الرئاستين ان تتحملا تبعات "لطمة" كبرى توجهها الى وجه الأكثرية الجديدة بما تمثله حتى الآن؟ من الواضح ان قوى الأكثرية الجديدة لا تتعامل مع حكومة الأمر الواقع على انها أمر جدي يجرؤ من يجرؤ على تبنيه التزامه، وبالتالي المضي به حتى نهاياته، وبالتالي لا تكلف نفسها عناء التوقف عند الموضوع وتحديد الخيارات البديلة والردود الممكنة.

وإلى الآن ما برحت دوائر القرار في قوى الاكثرية الجديدة، ورغم كل ما حصل، ولا سيما في الاسابيع القليلة، ورغم انها بدت عمليا في موقع المحاط بشبهة العجز عن ادارة اللعبة السياسية بعدما نجحت في ضرب ضربتها وأقصت الحريرية السياسية عن السلطة والقرار، تتعاطى مع الرئيس المكلف على انه خيارها ليواكبها وتواكبه في المرحلة الجديدة، اذ انها لم تلج بعد حيز البحث عن البديل الممكن لاعتبارات متعددة.

ولكن العنصر المستجد بالنسبة الى الدوائر، هو "انكشاف" موقف الرئاسة الاولى، وانسدال الحجب عنه، فطوال الاشهر الثلاثة الماضية، كان موقف هذه الرئاسة يتوارى عمليا خلف الرئيس المكلف. وهكذا، وبعد التطورات الاخيرة المتصلة بعملية تزكية شخصية عسكرية "محايدة" لتولي حقيبة وزارة الداخلية، بان موقف الرئيس سليمان وخصوصا عندما اعطى اجابات مختلفة يبرر اعتراضه على هذه الشخصية، وليدعم بالتالي حجة الجانحين الى تحميل الرئاسة الاولى وزر المراوحة وتبديد فرصة ابصار الحكومة النور.

وفي كل الاحوال، اذا كان طرح حكومة الامر الواقع هو مناورة، فان في اوساط الاكثرية الجديدة من بات يعتبرها مناورة خطرة، ولا سيما انها استنفدت اغراضها.

المصدر:
النهار

خبر عاجل