إذا كان الرئيس نبيه بري قد أعلن قبل أيام أنه «يائس وحالته بالويل» ـ ولم نعرف ما إذا كان هذا اليأس والويل نزل به كرئيس لحركة أمل أو لرئيس البرلمان اللبناني بسبب ازدواجيّة قبعته ـ لم يبلغ في «شكيه ونعيه» حدّ الحديث عن الانتحار، يبدو أنّ حليفه اللدود النائب وليد جنبلاط وضعه أسوأ من وضع دولته بكثير، فهو يائس وبائس وحالته بالويل والثبور وعظائم الأمور، ولكن على جاري عادته يحبّ وليد بك التصريحات «الفنعة» والتي لها «نتعة» مختلفة عند اللبنانيين!!
على خطى المموّل القديم لاشتراكيّة وليد بك الأخ العقيد معمّر القذّافي الذي طالب ذات يوم الفلسطينيين خلال الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982 بأن يُنفّذوا انتحاراً جماعياً، بالأمس قرأنا عن مطالبة «انتحارية» صدرت عن وليد بك، ويبدو أنّه يطالب الآخرين بما لا يطالب به نفسه، مع أن القاعدة هنا شديدة البساطة: «إبدأ بنفسك»!!
أخيراً التقطت «رادارات» وليد بك أنّ الوضع الحكومي وصل إلى أفق مسدود، نتيجة المطالب العبثيّة لبعض الأفرقاء في «الاكثرية الجديدة»، أما اقتراحه للخروج من هذا المأزق فجاء كالتالي: «إن الخروج من المأزق السياسي القائم في البلد يحتم على بعض الأفرقاء في المعارضة والموالاة الإقدام على الانتحار الجدي، وهذا الانتحار ليس فخرياً وإنما من الممكن أن نضعه في خانة التضحية بالذات من أجل الجماعة، مستشهداً بالتاريخ بقوله: «إن كبار القادة في الأساطيل الغربيّة كانوا يغرقون أنفسهم مع السفينة عندما تغرق»!!
بالطبع علينا أن نفكّر قليلاً بمصطلح «الانتحار الفخري»، وليد بك يحبّ الاستشهاد بالتاريخ وبعناوين بعض الكتب التي تعصف به أفكارها وعناوينها عندما يقرأها، يطالب الآخرين بما لم يُطالب به نفسه لأنه يرمي تاريخه خلف ظهره، ربّما لأنّه لا يحتمل رؤيته ماثلاً أمام عينيه!!
هذه الأكثرية الجديدة، ألم يكن انقلاب وليد جنبلاط على نتائج الانتخابات وأصوات الناخبين التي اقتنصها من جمهور 14 آذار، وانقلابه ثانياً على حليفه الرئيس سعد الحريري، وانقلابه ثالثاً على لبنان وشعبه وارتمائه في أحضان «عودة إلى الذات» روى لنا هو بنفسه أنها كانت خداعاً وكذباً وغشاوة استمرت 25 عاماً؟!
هذا المأزق الذي دخلته البلاد، أليس من إبداع «انقلاب» وليد جنبلاط على الحكومة وعلى الذين بأصواتهم امتلك هذه الأصوات التي غيّرت الأكثرية وأدخلت البلاد في الشلل؟! وعندما يتحدّث عن الطلبات التعجيزيّة ألم يكن هو سبّاقاً إليها عندما طالب سعد الحريري أن يكون نموذجاً عنه، نسخة مروّعة من سياسي لا مبادئ له؟!
هذا المأزق ألا يتحمّل مسؤولية وضع لبنان فيه وليد جنبلاط نفسه لأنه صدّق ما يمدحونه به من أنه يمتلك رادارات هوائية وأقمار صناعيّة وصحون لاقطة، فأراد أن يزايد على خادم الحرمين الشريفين في الحديث عن المصالحة العربيّة، فانتابه حنين مفاجئ إلى الشام وأراد أن يسبق الجميع ـ لأنّه دائماً سبّاق في بياض الوجه ـ فأكل الضرب، وها هو يأكله ثانية وهو حائر بين خسارة كبرى مني بها بقطع المملكة العربية السعودية علاقتها به، وحنينه إلى الشام هذه الأيام سيظلّ مرهوناً بالصورة التي ستنحو باتجاهها الأحداث؟!
«إن كبار القادة في الأساطيل الغربيّة كانوا يغرقون أنفسهم مع السفينة عندما تغرق»!! صحيح هذا القول، إنما نسي البك أنّ من يفعل هذا هم «كبار القادة»، وكي يكون القائد قائداً أولاً عليه أن يتحلّى بمواصفات القائد، وحتى يكون كبيراً عليه أن يكون ثابتاً على مبادئه لا يبدّلها بحسب أهوائه ومصالحه، أو عدم حاجته إلى الديموقراطية بل إلى المال لأنّ «المليون دولار لا تكفيه شهرين أو ثلاثة»!!
والقادة الكبار يطالبون أنفسهم أولاً قبل أن يطالبوا الآخرين بـ»الانتحار الفخري»، وعلى ما تعوّدناه من «البك» أنه يكون «أول من ينطّ من السفينة إذا ما توهّم أنها ستغرق»!! ألم يفعل هذا في الاجتياح الإسرائيلي عندما «نطّ» من سفينة ـ ما يسمّى بالحركة الوطنيّة ـ وتركها تغرق؟ ألم يكن أول من «نطّ» من لبنان إلى شاطئ الأردن خوفاً على نفسه !!
هذا المأزق الذي يعيشه لبنان سيحاسب التاريخ وليد جنبلاط عليه لا ميشال عون، فالثاني ـ لا يُقيّد عليه التاريخ ـ أمّا الأوّل فحسابه عسير جداً، فلا التاريخ ولا لبنان ولا الشعب اللبناني ولا دم الشهداء وأولهم رفيق الحريري سيسامحه على هذه الأكثرية الجديدة التي ورّط بها لبنان!!
كلاهما الحليفان اللدودان يائسان وبائسان وحالتهما بالويل، كلاهما «مصّا» دماء لبنان ودولته ولم يشبعا يوماً منها، وفي هذا المأزق ليس البلد فقط مشلول ومعطّل، بل مصالحهما أيضاً ، خصوصاً في حشرة أحداث سورية ووليد بك على يقين بأنّ راداراته لم تكن يوماً موجودة، ولو كانت كذلك لم أدخل لبنان في هذه الورطة التي بات يطالب صانعيها بـ»الانتحار الفخري»، وبحسب استشهاد وليد بك بالتاريخ الأجدى أن يبدأ بنفسه و»ينتحر فخرياً»!