كتب إميل خوري في صحيفة "النهار":
ترى أوساط سياسية أن حكومة الرئيس سعد الحريري انفجرت بفعل التجاذب العربي والإقليمي والدولي في المنطقة، وأن أزمة تـأليف حكومة جديدة تتفاقم بسبب هذا التجاذب الذي لولاه لما استقال وزراء المعارضة السابقة ولما كانت انتقلت الأكثرية من قوى 14 آذار الى قوى 8 آذار.
وما دام صراع النفوذ قائماً في المنطقة بين المحور الأميركي ومن معه والمحور الايراني ومن معه ولم تحسم سوريا بعد خياراتها، فإن الأزمة الوزارية ستستمر لأن هذا الصراع الذي تترجمه التغييرات التي عصفت وتعصف بعدد من الدول العربية، هو الذي يحول دون تأليف حكومة من الأكثرية الجديدة أو من اللون الواحد، وهو الذي يحول أيضاً دون تحديد أي شكل من الأشكال للحكومة حتى من المستقلين ومن غير السياسيين، وإلا لما ظلّ الخلاف قائماً على حقيبة الداخلية وكأنها عقدة العقد، ولما ظل العماد ميشال عون مصراً على أن تكون من حصّة كتلته النيابية، فيما "حزب الله" يتفرج ولا يتدخل لحسم الخلاف ربما لأنه ينتظر مصير التطورات في سوريا ونتائج التجاذب بين إيران ودول الخليج وأين ستقف سوريا، هل تقف مع ايران ويكون لوقوفها هذا عواقب، أم تقف مع دول الخليج المهدّدة بأمنها من ايران وتكون لذلك عواقب أيضاً؟
لقد واجه لبنان منذ قيام تحالف قوى 8 آذار خطر التعطيل والفراغ، فلا استطاعت هذه القوى أن تجعل مشاركتها في الحكم ايجابية، ولا استطاعت بعدما أصبحت أكثريّة أن تجعل قوى 14 آذار تشاركها في الحكم لأنها أصرّت على فرض شروطها، خصوصاً في ما يتعلّق بالمحكمة الخاصّة بلبنان وبسلاح المقاومة، ولأنها لم تعد قادرة بحكم الظروف الموضوعية على تأليف حكومة منها فقط، ولا أن تقبل بتشكيل حكومة مستقلين أو وسطيّين لئلا تضيع الفرصة الذهبية السانحة والتي قد لا تتكرّر وذلك بعدم قطف ثمار تحولها أكثرية وتالياً خسارة مغانم التعيينات الواسعة في الأسلاك الادارية والديبلوماسية والأمنية والعسكرية، وهي تعيينات مهمّة تؤسّس لانتخابات 2013 النيابية وهي انتخابات تأمل قوى 8 آذار والمتحالفون معها في الفوز بها بأكثريّة المقاعد النيابيّة فيكون لها الحكم بكل سلطاته ومؤسّساته، وهو ما كانت تطمح إليه في انتخابات 2005 ثم في انتخابات 2009، لكن أملها خاب بنتائجها إذ جاءت لمصلحة قوى 14 آذار. عندها عمدت إلى تعطيل الانتخابات الرئاسية وأدخلت البلاد في أزمة طويلة، كما عمدت الى تعطيل تشكيل الحكومات، مشترطة أن يكون لها فيها "الثلث المعطل"، ومعتبرة أنها تمثل الأكثرية الشعبية وإن لم تكن تمثل الأكثريّة النيابيّة، وكأنها بهذا الموقف السلبي ترفض الاعتراف بنتائج الانتخابات رغم أنها كانت ديموقراطية وحرّة ونزيهة.
وهكذا أضاعت قوى 8 آذار بمواقفها السلبيّة وممارسة سياسة التعطيل في مجلس الوزراء على عهد الرئيس ميشال سليمان فرصة إنجاز ما وعد به في خطاب القسم، وحالت خلال المدّة التي انقضت من عهده دون تحقيق الانجازات التي وعد بها الناس وبعد قوله في أول حديث له "إن عهدي هو عهد الناس". فلا التعيينات الضرورية والملحة لملء عدد كبير من المراكز الشاغرة في دوائر الدولة أنجزت، ولا تمّ تنفيذ ما بقي من اتفاق الطائف، مثل اللامركزيّة الاداريّة والسلطة القضائيّة المستقلة والاصلاحات الاداريّة والماليّة وفاء لالتزامات لبنان في مؤتمر باريس 3 من أجل مواصلة سياسة النهوض بالاقتصاد وضمان الاستقرار النقدي وتشجيع الاستثمارات لايجاد فرص عمل جديدة ومباشرة، ووضع قانون للانتخابات النيابيّة يؤمن التمثيل السياسي الصحيح لشنّ فئات الشعب، وخفض سن الاقتراع لتحقيق مشاركة جيل الشباب في الانتخابات، وكذلك تمكين اللبنانيين الموجودين في الخارج من الاقتراع تأميناً لهذا التمثيل الصحيح.
لكن قوى 8 آذار التي دأبت منذ قيامها على ممارسة سياسة التعطيل، حالت دون تمكين الحكومات التي شاركت فيها من العمل والانتاج ولم تمكن الرئيس سليمان من تحقيق الانجازات التي وعد بها خلال المدّة التي انقضت من ولايته، وقد لا تمكّنه من ذلك خلال المدّة الباقية لتجعل عهده مخيباً لآمال الناس.
وعندما خالفت هذه القوى اتفاق الدوحة باستقالة وزرائها من حكومة الرئيس الحريري، ظنّت أنها تستطيع تشكيل حكومة منها فتستأثر عندئذ باتخاذ القرارات المهمة وبالتعيينات لعلها تضمن الفوز لمرشيحها في الانتخابات المقبلة. لكن حساب حقلها لم يطابق حساب البيدر، فلا استطاعت تشكيل حكومة منها، ليس بسبب الخلاف على الحصص والحقائب فحسب، بل بسبب الأحداث التي عصفت وتعصف بعدد من دول المنطقة وبات على سوريا أن تتخذ موقفاً صريحاً وواضحاً من الصراع العربي والاقليمي والدولي فيها، وهو موقف يضعها أمام خيارات صعبة قد يكون أحلاها مرّ.
وفي انتظار ذلك، تظلّ قوى 8 آذار تجلس قلقة في غرفة الانتظار ولا تعرف أي شكل سيكون للحكومة العتيدة لأن الخيار السوري حيال الصراع في المنطقة هو الذي يقرّر شكلها.